اتفاق دمشق و«قسد» بين الشد والجذب

2026.02.22 - 09:31
Facebook Share
طباعة

 عاد الغموض ليخيّم على مسار تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و**قوات سوريا الديمقراطية**، في ظل تباين واضح في الرؤى حول آلية دمج المؤسسات العسكرية والمدنية، وطبيعة الإدارة المقبلة في شمال شرقي البلاد. وبين تمسك دمشق بمبدأ «الدولة الواحدة والجيش الواحد»، وإصرار «قسد» على صيغة لامركزية تضمن خصوصية المنطقة، تبدو الطريق إلى التنفيذ الفعلي أطول مما كان متوقعاً.

الاتفاق الذي وُقّع في 30 كانون الثاني الماضي وضع إطاراً عاماً لتنظيم العلاقة بين الطرفين، لكنه ترك تفاصيل حساسة معلّقة، أبرزها شكل اندماج القوات العسكرية، ومصير مؤسسات «الإدارة الذاتية» التي نشأت خلال سنوات الحرب.


خصوصية إدارية أم كيان موازٍ؟
خلال مؤتمر عُقد في مدينة الحسكة، شدد قائد «قسد» مظلوم عبدي على أن عملية الدمج في الجيش السوري «قد تستغرق وقتاً»، مشيراً إلى وجود إشكاليات تتعلق بالتمثيل داخل وزارة الدفاع، بينها طرح تعيين معاون للوزير.

عبدي أكد أن «الإدارة الذاتية» ستحتفظ بمؤسساتها ومديريها خلال عملية الاندماج، معتبراً أن المناطق ذات الغالبية الكردية تتمتع بخصوصية إدارية ينبغي احترامها ضمن أي صيغة وطنية شاملة.

في المقابل، ترى دمشق أن أي عملية اندماج يجب أن تتم تحت مظلة المؤسسات الرسمية، دون الإبقاء على هياكل عسكرية مستقلة أو صيغة قد تُفهم على أنها تكريس لسلطة موازية. مصادر عسكرية سورية تؤكد أن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة «خط أحمر»، وأن التسلسل القيادي للجيش لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.


عقدة الدمج العسكري
الخلاف الأبرز يدور حول طريقة الدمج: فبحسب تسريبات ومواقف متقاطعة، تفضّل «قسد» الاندماج كوحدات متكاملة ضمن تشكيل أو أكثر داخل وزارة الدفاع، مع الحفاظ على جزء من بنيتها القيادية. بينما تميل دمشق إلى صيغة الدمج الفردي للعناصر، بحيث يُعاد توزيعهم ضمن وحدات الجيش وفقاً للمعايير المعتمدة.

مصدر عسكري سوري أشار إلى أن بعض الطروحات تحتاج «مراجعة عميقة» ضمن الأطر الدستورية والقانونية، موضحاً أن أي صيغة نهائية يجب أن تحافظ على وحدة المؤسسة العسكرية، دون ازدواجية في القرار أو القيادة.

هذا التباين يعكس خلافاً أعمق من مجرد ترتيبات تنظيمية؛ إنه صراع بين تصورين لمستقبل الدولة: مركزية صارمة تعيد ضبط المشهد بعد سنوات النزاع، أم لامركزية موسعة تعترف بخصوصيات المناطق وتمنحها صلاحيات أوسع.


تأثير العوامل الخارجية
يرى مراقبون أن تشدد «قسد» في المرحلة الأخيرة يرتبط أيضاً بحراكها الخارجي، خصوصاً مشاركتها في مؤتمر ميونخ للأمن، حيث التقى ممثلون عنها مسؤولين غربيين، بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

هذا الانفتاح يمنح «قسد» هامشاً تفاوضياً أوسع، لكنه في الوقت نفسه يثير حساسية دمشق، التي تتحفظ تقليدياً على أي مسارات سياسية موازية خارج الإطار الوطني. كما أن وجود عناصر مرتبطة بـ**حزب العمال الكردستاني** داخل «قسد» يبقى نقطة خلاف جوهرية، إذ تتهمهم أطراف سورية بعرقلة أي تسوية نهائية.


بين السياسة والميدان
عملياً، ما زال الاتفاق في إطار التفاهمات السياسية العامة، دون انتقال شامل إلى خطوات تنفيذية واضحة. ورغم وجود قنوات تفاوض مفتوحة، فإن التعقيدات الميدانية والإدارية تجعل الوصول إلى صيغة نهائية أمراً يحتاج إلى وقت وضمانات متبادلة.

في شمال شرقي سوريا، تتقاطع ملفات الأمن والإدارة والاقتصاد. المنطقة تضم موارد حيوية وتشكيلة سكانية متنوعة، ما يجعل أي تغيير في بنيتها الإدارية مسألة حساسة تتجاوز البعد العسكري.


سيناريوهات المرحلة المقبلة
أمام الطرفين عدة خيارات:
التدرج المرحلي عبر خطوات جزئية تبدأ بدمج إداري محدود وتنسيق أمني موسع، تمهيداً لتسوية شاملة.
المراوحة والتأجيل بانتظار تطورات إقليمية ودولية قد تعيد رسم موازين القوى.
العودة إلى التوتر في حال تعثرت المفاوضات أو تراجعت الثقة المتبادلة.

حتى الآن، لا يبدو أن أياً من الجانبين يرغب في انهيار الاتفاق، لكن سقف التوقعات مختلف. دمشق تسعى إلى تثبيت سيادتها الكاملة، بينما تريد «قسد» ضمانات دستورية وسياسية تحمي مكاسبها المحلية.


الخلاصة أن مسار الاتفاق لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. وما بين مفهوم «اللامركزية» و«وحدة الدولة»، تتحدد ملامح مستقبل شمال شرقي سوريا، في معادلة دقيقة تحتاج إلى توازن سياسي وقانوني يتجاوز الحسابات الآنية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2