أشعلت تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، موجة إدانات عربية وإسلامية، بعدما قال في مقابلة إعلامية إنه لا يرى مانعًا في أن “تأخذ إسرائيل المنطقة بأكملها”، في إشارة إلى تصور توسعي يستند إلى قراءة دينية لنصوص توراتية.
التصريحات التي جاءت خلال حوار مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، سرعان ما تحولت إلى أزمة دبلوماسية. ورغم محاولة هاكابي لاحقًا وصف كلامه بأنه “مبالغة مجازية”، إلا أن عباراته أثارت ردود فعل غاضبة في عواصم عدة، وفتحت بابًا واسعًا للنقاش حول حدود الخطاب السياسي والديني في العلاقات الدولية.
من النص الديني إلى الخريطة السياسية
خلال المقابلة، طُرح سؤال حول النص التوراتي الذي يتحدث عن “الأرض من النيل إلى الفرات”، وهو نص ورد في “سفر التكوين 15”، ويتناول العهد الإلهي مع النبي إبراهيم. هاكابي لم يتردد في القول إنه “سيكون من الجيد لو أخذوها كلها”، معتبرًا أن الأرض “وعد إلهي” للشعب اليهودي.
هذا الطرح، وفق مراقبين، يتجاوز الجدل الديني ليصل إلى تصور جغرافي يشمل فلسطين التاريخية والأردن ولبنان وسوريا وأجزاء من مصر والعراق والسعودية، ما يعني عمليًا إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على أسس عقائدية.
وعندما سُئل عن الروابط التاريخية والجينية للفلسطينيين بالأرض، رفض هاكابي الاحتكام إلى “علم الحمض النووي”، مؤكدًا أن “علم الآثار والارتباط الديني” هما المرجعية الأهم، مستخدمًا عبارته المعروفة “الحجارة تصرخ”، في إشارة إلى ما يعتبره دلائل أثرية تثبت أحقية إسرائيل في الأرض.
خطاب يتجاوز حدود فلسطين
التصريحات لم تقتصر على الضفة الغربية أو غزة، بل حملت إيحاءً بإمكانية توسع مستقبلي في حال “انتصرت إسرائيل في حرب وفرضت سيطرتها”، على حد تعبيره. هذا الطرح أعاد إلى الواجهة مفهوم “إسرائيل الكبرى”، الذي يتبناه تيار داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
كما يُعد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش من أبرز الداعين لهذا التوجه، إذ سبق أن تحدث عن توسع يمتد إلى دمشق ودول عربية مجاورة، مستندًا إلى مرجعيات دينية.
في الميدان، تتسارع خطوات “الضم الفعلي” في الضفة الغربية عبر توسيع المستوطنات ونقل صلاحيات مدنية، وهو ما تعتبره أطراف دولية تقويضًا لحل الدولتين.
إدانات عربية وإسلامية
سارعت دول عربية وإسلامية إلى إدانة التصريحات، واعتبرتها تهديدًا مباشرًا لسيادة الدول واستقرار المنطقة. منظمة التعاون الإسلامي وصفت كلام هاكابي بأنه “خطير وغير مسؤول”، مؤكدة أنه يستند إلى روايات أيديولوجية مرفوضة تنتهك القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
في القاهرة، شددت وزارة الخارجية المصرية على أن “لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية أو أي أراضٍ عربية محتلة”، مؤكدة رفضها القاطع لأي محاولات ضم أو توسع استيطاني.
الرياض بدورها اعتبرت التصريحات “استهتارًا بالعلاقات المتميزة لدول المنطقة بالولايات المتحدة”، محذرة من تداعيات خطاب “متطرف” قد يهدد الأمن والسلم الإقليميين. كما دعت واشنطن إلى توضيح رسمي لموقفها.
الأردن وصف التصريحات بأنها “عبثية واستفزازية”، مشددًا على أنها تمس بسيادة دول المنطقة وتخالف ميثاق الأمم المتحدة. وانضمت سلطنة عمان والعراق والكويت إلى موجة الإدانة، معتبرة أن الطرح يمثل انتهاكًا صريحًا للقانون الدولي.
كما أعرب الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي عن رفضه لما وصفه بـ”التصريحات غير المسؤولة”، مشيرًا إلى أنها تتعارض مع توجهات واشنطن المعلنة.
اعتراض فلسطيني واسع
على الصعيد الفلسطيني، اعتُبرت تصريحات هاكابي “دعوة صريحة للاعتداء على سيادة الدول”. الخارجية الفلسطينية قالت إن هذا الخطاب يشجع سياسات الضم والتوسع، ويقوض فرص السلام.
أما حركة حركة حماس، فرأت في التصريحات تجسيدًا لما وصفته بـ”العقلية الاستعمارية”، داعية إلى مواقف تتجاوز حدود الإدانة السياسية.
تداعيات مفتوحة
هاكابي، الذي عُين سفيرًا في نيسان 2025، عُرف بمواقفه المؤيدة بشدة للرواية الدينية في الصراع، وبإنكاره لوجود “شعب فلسطيني” في تصريحات سابقة. لكن هذه المرة، تجاوز الجدل الخطابي حدود النقاش الداخلي الأمريكي ليصبح أزمة إقليمية.
البيت الأبيض لم يصدر حتى الآن موقفًا تفصيليًا يوضح ما إذا كانت تصريحات السفير تعبر عن رؤية رسمية أم عن قناعة شخصية. وفي ظل هشاشة المشهد الإقليمي، يخشى مراقبون من أن يؤدي هذا النوع من الخطاب إلى تغذية التطرف، وتعميق الاستقطاب، وتقويض أي مسار سياسي لحل النزاع.
بين قراءة دينية متشددة وواقع سياسي معقد، تبدو المنطقة أمام موجة جديدة من التوتر الدبلوماسي، عنوانها تصريحات لم تكن عابرة، بل حملت أبعادًا تتجاوز حدود الكلمات.