لم تكن ساحل العاج مجرد محطة عابرة في مسار رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، بل تحولت إلى نقطة تقاطع كشفت جانبًا خفيًا من شبكة علاقاته الدولية، خصوصًا تلك المرتبطة بصناعة الأمن السيبراني الإسرائيلية. تسلسل الأحداث بين عامي 2012 و2014 يسلّط الضوء على نمط معقّد جمع بين وساطة خاصة، وشخصيات سياسية رفيعة، وبنية مالية عابرة للحدود.
من القدس إلى أبيدجان
في يونيو/حزيران 2012، زار رئيس ساحل العاج الحسن واتارا إسرائيل، والتقى مسؤولين بارزين بينهم وزير الدفاع آنذاك إيهود باراك ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. الزيارة جاءت بعد إعلان أبيدجان إحباط محاولة انقلاب، وفي ظل سعيها لإعادة بناء أجهزتها الأمنية.
بالتزامن مع تلك اللقاءات الرسمية، كان إبستين يتحرك في مسار موازٍ من نيويورك، حيث استقبل نجل الرئيس الإيفواري، ثم التقى لاحقًا أحد أفراد عائلته المقربين. هذا التوازي بين قناة رسمية وأخرى غير رسمية يعكس نمطًا متكررًا: مسؤول إسرائيلي سابق يفتح باب الدولة، ووسيط خاص يدير شبكة العلاقات بعيدًا عن السجلات الرسمية.
إعادة هيكلة قبل رفع الحظر
في أبريل/نيسان 2014، حلّ واتارا جهاز الاستخبارات القائم وأنشأ جهازًا جديدًا يخضع مباشرة لسلطته. بعد أيام، أوصى خبراء أمميون بتخفيف حظر السلاح المفروض على البلاد منذ 2004، ثم رُفع الحظر رسميًا في نهاية الشهر نفسه.
هذا التسلسل الزمني أثار تساؤلات، إذ تزامن مع اتصالات مكثفة قادها باراك مع شخصيات إسرائيلية بارزة في قطاع الصناعات الدفاعية، من بينها مسؤولون مرتبطون بشركة Elbit Systems، إحدى أبرز شركات السلاح الإسرائيلية. وبعد أسابيع قليلة، وُقعت اتفاقية تعاون أمني بين إسرائيل وساحل العاج، ترافقت مع زيارة وفد اقتصادي إسرائيلي كبير إلى أبيدجان.
لاحقًا، رصد باحثو مختبر "سيتيزن لاب" استخدام برمجية Pegasus داخل ساحل العاج، وهي أداة تجسس طورتها شركة NSO Group الإسرائيلية، ما أعاد النقاش حول طبيعة القنوات التي مهدت لدخول هذه التقنيات.
الوسيط والمسؤول ورأس المال
تكشف الوثائق أن النموذج الذي ظهر في ساحل العاج لم يكن عشوائيًا، بل قام على ثلاثة أركان:
الوسيط: إبستين، الذي امتلك شبكة وصول إلى سياسيين ورجال أعمال عبر القارات.
المسؤول السابق: باراك، الذي منح الصفقات ثقلًا أمنيًا ومصداقية رسمية بحكم تاريخه العسكري والسياسي.
الغطاء المالي: مؤسسات مصرفية خاصة، مثل Julius Baer، وفّرت أطرًا استشارية وبنية قانونية لأنشطة تبدو تجارية بحتة.
بهذه التركيبة، كانت القناة غير الرسمية تمهّد للاتفاقيات الحكومية، لا لتحلّ محلها. الاتصالات الخاصة سبقت التفاهمات الرسمية، ثم جاءت الاتفاقيات لتضفي طابعًا مؤسساتيًا على ما تم ترتيبه مسبقًا.
تجربة منغوليا: النسخة المؤسسية
تكرّر النمط ذاته في منغوليا. في أبريل/نيسان 2013، وبعد شهر واحد من مغادرته وزارة الدفاع، زار باراك العاصمة أولان باتور والتقى الرئيس المنغولي آنذاك تساخياغين إلبغدورج. خلف الكواليس، كان إبستين ينسّق اللقاءات ويدير الاتصالات من نيويورك.
الاختلاف هنا أن القناة غير الرسمية استعانت بمؤسسة ذات طابع دبلوماسي، هي International Peace Institute، ما أضفى غطاءً أكاديميًا واستشاريًا على المشروع. لاحقًا، عُرضت مقترحات لتحديث قدرات الاستخبارات المنغولية، شملت أنظمة مراقبة واتصالات متقدمة.
بحلول 2017، أُعلن عن تعاون أمني رسمي بين إسرائيل ومنغوليا في مجالات خدمات الطوارئ والتقنيات المتقدمة، في مسار يشبه ما جرى في ساحل العاج: تواصل خاص، تمهيد استشاري، ثم اتفاق حكومي.
تداخل الدولة والسوق
القضية لا تتعلق بصفقة واحدة أو بلد بعينه، بل بنمط عمل يطمس الحدود بين السياسة والأعمال. فإسرائيل تمتلك نظامًا رسميًا لتصدير التقنيات الدفاعية، يخضع لقانون مراقبة الصادرات الدفاعية لعام 2007. غير أن وجود ثغرات قانونية تتيح الاستثناءات لأسباب دبلوماسية أو أمنية، إضافة إلى سرية القوائم والوجهات، يجعل الرقابة محدودة في بعض الحالات.
من جهة أخرى، لا توجد أدلة قاطعة على تورط مباشر للحكومة الإسرائيلية في كل تفاصيل هذه الشبكات، لكن طبيعة الصناعات الأمنية—بوصفها قطاعًا استراتيجيًا—تجعل الفصل الكامل بين المبادرات الخاصة والمصالح الرسمية أمرًا معقدًا.
ما الذي كشفته ساحل العاج؟
أهمية الحالة الإيفوارية تكمن في وضوح التسلسل:
لقاءات رسمية في القدس.
اتصالات عائلية وشخصية عبر إبستين.
إعادة هيكلة أمنية داخلية.
رفع حظر السلاح.
اتفاقية أمنية رسمية.
ثم ظهور تقنيات مراقبة إسرائيلية في البلاد.
هذا التدرج أظهر كيف يمكن لقناة خلفية أن تمهّد الأرضية قبل انطلاق المسار الرسمي، مستفيدة من شبكات نفوذ شخصية، ومكانة مسؤولين سابقين، وأطر مالية دولية.
في النهاية، تبقى كثير من التفاصيل غامضة، لكن ما تكشفه الوقائع أن قصة إبستين لم تقتصر على فضائحه الجنائية، بل امتدت إلى شبكة علاقات معقدة عند تقاطع المال والسياسة والتكنولوجيا، في ملف يثير أسئلة عميقة حول شفافية تصدير تقنيات المراقبة، وحدود المساءلة الدولية.