في خطوة مفاجئة أعقبت انتكاسة قضائية لافتة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10% على جميع دول العالم، مؤكدًا أن القرار سيدخل حيز التنفيذ في 24 فبراير/شباط الجاري ولمدة 150 يومًا. وجاء الإعلان بعد ساعات من صدور حكم عن المحكمة العليا الأمريكية ألغى الرسوم الشاملة التي كان قد فرضها سابقًا بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية.
ترمب أوضح، في منشور عبر منصته "تروث سوشيال"، أنه وقّع القرار من المكتب البيضوي، معتبرًا الخطوة ضرورة لحماية المصالح الاقتصادية الأمريكية. وفي أمر تنفيذي صادر عن البيت الأبيض، أعلنت الإدارة إنهاء بعض الإجراءات الجمركية السابقة التي استندت إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، وذلك امتثالًا للحكم القضائي.
مناورة قانونية جديدة
القرار الجديد لم يعتمد على القانون ذاته الذي رفضته المحكمة، بل استند إلى صلاحيات مختلفة ضمن قانون التجارة لعام 1974، والذي يمنح الرئيس سلطة فرض قيود تجارية لمعالجة اختلالات كبيرة في ميزان المدفوعات. وبهذا التحرك، بدا أن ترمب يسعى لتجاوز العائق القضائي عبر إعادة صياغة الأساس القانوني للرسوم، دون التراجع عن جوهر سياسته الحمائية.
الأمر التنفيذي نصّ على إلغاء أو استبدال أي إعلانات سابقة تتعارض مع القرار الجديد، في خطوة تعني عمليًا إنهاء الرسوم التي أُبطلت قضائيًا واستبدالها بإطار قانوني مختلف. كما تضمن القرار إعفاءات لعدد من السلع الأساسية، من بينها بعض المعادن وقطاع الطاقة والأدوية، إضافة إلى المنتجات المشمولة باتفاقيات تجارة حرة.
حكم قضائي حاسم
المحكمة العليا، ذات الأغلبية المحافظة، خلصت بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة إلى أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة لا يمنح الرئيس سلطة فرض رسوم جمركية شاملة. وأكدت في حيثياتها أن سلطة فرض الضرائب والجباية تعود دستوريًا إلى الكونغرس، ما يجعل استخدام قانون الطوارئ لهذا الغرض تجاوزًا للصلاحيات التنفيذية.
القرار عزز استنتاجات سابقة صدرت عن محاكم أدنى درجة، اعتبرت الرسوم المفروضة بموجب قانون 1977 غير قانونية. ويُنظر إلى الحكم بوصفه أبرز خسارة قضائية لترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي.
غضب رئاسي وتصعيد سياسي
ردّ ترمب على الحكم بانتقادات حادة، معبرًا عن خيبة أمله من بعض القضاة، ومتهمًا المحكمة – دون تقديم أدلة – بالتأثر بـ"مصالح أجنبية". كما أشار إلى أن النزاع القانوني قد يمتد لسنوات، ملمّحًا إلى استمرار المعركة القضائية حتى حسم الصلاحيات بشكل نهائي.
ورغم إبطال الرسوم الشاملة، فإن الحكم لا يمسّ الرسوم القطاعية التي فرضها ترمب بشكل منفصل على واردات الصلب والألومنيوم وسلع أخرى، وهي إجراءات لا تزال قائمة. كذلك، تواصل الإدارة تحقيقات تجارية قد تسفر عن فرض رسوم إضافية على قطاعات محددة.
تداعيات اقتصادية محتملة
الرسوم الجديدة بنسبة 10% على جميع الدول تمثل تصعيدًا لافتًا في السياسة التجارية الأمريكية، وقد تؤدي إلى ردود فعل مقابلة من شركاء تجاريين رئيسيين. اقتصاديون يحذرون من أن فرض رسوم شاملة—even لو كانت مؤقتة لمدة 150 يومًا—قد يرفع تكاليف الاستيراد، ويزيد الضغوط التضخمية، ويؤثر في سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، يرى أنصار القرار أن الرسوم تمثل أداة ضغط فعالة لتحسين شروط التفاوض التجاري، وتقليص العجز في الميزان التجاري الأمريكي. ويؤكدون أن الإعفاءات المعلنة تخفف من تأثير القرار على القطاعات الحيوية.
بين السياسة والقانون
التحرك الجديد يعكس إصرار ترمب على استخدام الرسوم الجمركية كورقة ضغط مركزية في استراتيجيته الاقتصادية. فمنذ عودته إلى الرئاسة، أعاد تفعيل أدوات تجارية استثنائية لمواجهة ما وصفه بممارسات غير عادلة من شركاء الولايات المتحدة، بما في ذلك المكسيك وكندا والصين، على خلفيات تجارية وأمنية.
غير أن الصدام مع المحكمة العليا يسلّط الضوء على حدود السلطة التنفيذية في ملف التجارة، ويعيد فتح النقاش حول الفصل بين السلطات وصلاحيات كل من البيت الأبيض والكونغرس في رسم السياسات الجمركية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الأيام المقبلة حاسمة. فإما أن تشكل الرسوم الجديدة ورقة تفاوضية مؤقتة، أو تتحول إلى فصل جديد من المواجهة بين السلطة التنفيذية والمؤسسة القضائية، في واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية حساسية خلال المرحلة الحالية.