مع اقتراب الموسم الدرامي الرمضاني، عاد ملف المعتقلين والمغيبين قسرًا في سجون النظام المخلوع إلى واجهة النقاش العام، لكن هذه المرة من بوابة الرفض. فقد أعلنت عائلات ضحايا ملف “قيصر” موقفًا واضحًا برفض تحويل مأساتها الإنسانية إلى مادة درامية تُعرض على الشاشات، معتبرة أن الجرح ما يزال مفتوحًا، وأن العدالة لم تتحقق بعد.
العائلات أكدت في بيانها أن قصص الضحايا ليست حبكات قابلة للمعالجة الفنية أو الاستثمار الإعلامي، بل قضية إنسانية وحقوقية تتطلب كشف الحقيقة كاملة، وتحديد مصير المفقودين، وتسليم الرفات إلى ذويها بكرامة. ورأت أن أي تناول درامي سابق لتحقيق العدالة يُعد تجاوزًا أخلاقيًا يمسّ مشاعر آلاف الأسر التي ما تزال تنتظر إجابات.
ناجون: القضية ليست حدثًا من الماضي
سمر السعد، ناجية من الإخفاء القسري وشقيقة أحد الضحايا الذين ظهرت صورهم ضمن ملف “قيصر”، تقول إن القضية ليست حدثًا تاريخيًا يمكن تناوله كقصة مكتملة، بل واقعًا مستمرًا بتداعياته. وتشدد على أن الصور التي سُرّبت لم تكن عملاً فنيًا، بل أدلة على جرائم جسيمة لم يُحاسَب مرتكبوها حتى اليوم.
وتطرح السعد تساؤلات أخلاقية حول توقيت أي عمل درامي: هل يسهم في حماية الذاكرة أم يطبع الألم؟ هل يدفع نحو المحاسبة أم يختزل المأساة في مشاهد مؤثرة قابلة للاستهلاك؟ وتوضح أن العائلات لا تعادي الفن بحد ذاته، بل ترى فيه وسيلة مهمة لحفظ الذاكرة الجماعية، لكنها ترفض اختزال قضية ما تزال مفتوحة في عمل موسمي.
كما دعت إلى استشارة الناجين وذوي الضحايا في أي معالجة فنية مستقبلية، واحترام كرامتهم، وتجنب التركيز على مشاهد التعذيب بوصفها عنصرًا دراميًا، لأن القضية، بحسب قولها، تمثل منظومة قمع كاملة ومسار عدالة يجب دعمه لا الالتفاف عليه.
بين التوثيق والمسار القانوني
اسم “قيصر” ارتبط عالميًا بآلاف الصور التي وثقت انتهاكات داخل السجون السورية، وقد استُخدمت هذه الصور كأدلة في مسارات قانونية دولية استند بعضها إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
وفي هذا السياق، يؤكد فريد المذهان، المعروف بلقب فريد المذهان، أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن توثيق الجريمة. ويشير إلى أن ما بدأ بالصور يجب أن يستمر بالكلمة والشهادة حتى تتحقق المحاسبة وتبقى الحقيقة حية في وعي الأجيال.
ويرى أن توثيق المأساة السورية واجب أخلاقي وتاريخي، سواء في الكتب أو المدارس أو حتى الأعمال الفنية، لكن بشرط الصدق والشفافية واحترام الضحايا. ويضيف أن المآسي ليست طريقًا للشهرة أو وسيلة لتلميع الماضي، بل مسؤولية أخلاقية تتطلب شجاعة قول الحقيقة.
لا استثمار للألم
الناشطة المعروفة باسم “ثورة كردية” تعبر عن صدمة العائلات من فكرة إنتاج عمل درامي حول الملف في هذا التوقيت. تقول إن الصدمة الأولى نابعة من انتظارهم الطويل لأي معلومات عن مصير الضحايا وأماكن دفنهم، والمشاركة في مسارات العدالة الانتقالية، بينما الصدمة الثانية تتمثل في تحويل القضية إلى رقم ضمن سباق الدراما الرمضانية.
وترى أن المأساة لم تتحول بعد إلى ذاكرة تاريخية، فهي ليست حربًا انتهت، بل جريمة مستمرة في آثارها ونتائجها. وتؤكد أن الضحايا لا يحتاجون إلى مشاهد تمثيلية، بل إلى أسماء واضحة، ومحاكم عادلة، وحقيقة مثبتة ومحاسبة.
من جهتها، تشدد الناشطة روز النميري على حساسية القضية، معتبرة أن أي معالجة درامية قبل كشف الحقيقة الكاملة قد تتحول إلى استثمار للألم أو تشويه للواقع إذا لم تُقدّم بمسؤولية. لكنها ترى في الوقت ذاته أن الفن يمكن أن يكون أداة لنشر الوعي وتسليط الضوء على القضية، شرط الاعتماد على شهادات حقيقية واحترام كرامة الضحايا.
جدل التوقيت والمسؤولية
الجدل لا يدور فقط حول فكرة الإنتاج، بل حول توقيته. فبالنسبة لكثير من العائلات، لا يمكن أن تسبق الدراما العدالة، ولا أن تحلّ محلها. ويرى حقوقيون أن أي عمل فني حول هذا الملف سيبقى ناقصًا ما لم يتزامن مع تقدم حقيقي في كشف المصير ومحاسبة المسؤولين.
في المقابل، يعتبر بعض المتابعين أن تأجيل التناول الفني إلى ما بعد تحقيق العدالة قد يعني تجميد الذاكرة، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع حول دور الفن في المجتمعات الخارجة من النزاعات: هل يوثق الألم أم ينتظر اكتمال الحقيقة؟
العدالة أولًا… والذاكرة باقية
في ختام الجدل، يتقاطع موقف العائلات والناجين عند نقطة أساسية: الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى البوصلة. فالقضية بالنسبة لهم ليست قصة قابلة للاستهلاك، بل جرح مفتوح ينتظر كشف المصير، وتحديد المسؤوليات، وتحقيق المحاسبة.
ورغم اختلاف الآراء حول دور الفن وتوقيته، يبقى الاتفاق قائمًا على أن الذاكرة لا تموت، وأن رواية المأساة لا تُختزل في موسم درامي، بل تُصان بالحقيقة والعدالة. وحتى يتحقق ذلك، ستظل أصوات العائلات تذكّر بأن الألم شهادة حيّة، وأن التاريخ لا يُكتب من خارج الجرح، بل من داخله.