في قرية سلمى بريف اللاذقية الشرقي، لا تبدأ رحلة العودة بإصلاح باب منزل أو إزالة ركام فحسب، بل بخطوة حذرة فوق أرض قد تخفي تحتها لغماً. هنا، يتحول الطريق إلى اختبار يومي للأعصاب، وتغدو العودة إلى البيت مغامرة محفوفة بالخطر.
لا تزال الألغام الأرضية المنتشرة في محيط القرية وعلى امتداد طرقاتها الزراعية تشكل تهديدًا مباشرًا للسكان، إلى جانب الركام الذي يسد الممرات ويعرقل حركة المركبات. ورغم بدء مشاريع إعادة الإعمار ورفع الأنقاض تدريجيًا، فإن حجم الدمار الذي خلّفته سنوات النزاع يفوق ما أُنجز حتى الآن بكثير.
انفجار أثناء نزع الألغام
صباح الثلاثاء 16 شباط، دوّى انفجار في منطقة يُشتبه بوجود ألغام فيها منذ أشهر، خلال عملية تفكيك نفذتها وحدات من وزارة الدفاع. أسفر الانفجار عن إصابة ثلاثة أشخاص، بينهم مراسل وكالة الأناضول شوكت أقجة، ومراسل وكالة سانا حسن هاشم، إضافة إلى أحد الجنود الذي أُصيب بجروح خطيرة استدعت بتر ساقه.
الحادثة أعادت إلى الواجهة خطورة المرحلة التي تعيشها القرى العائدة للحياة. فحتى عمليات إزالة الألغام، التي يفترض أن تمهد الطريق لعودة آمنة، تنطوي على مخاطر كبيرة في ظل تضاريس وعرة وخرائط غير مكتملة لحقول الألغام.
فرق الدفاع المدني تؤكد أن بعض المناطق لم تُمسح بالكامل بعد، وأن إمكانيات العمل محدودة بسبب طبيعة الجبال وكثافة الغطاء النباتي، فضلاً عن قرب بعض المواقع من نقاط عسكرية سابقة.
ألغام حول الثكنات
عدي خليل، أحد سكان سلمى، يروي أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المحيطة بالقرية ما زالت غير آمنة. ويشير إلى وجود حقل ألغام يمتد لنحو كيلومترين، وُضع لحماية ثكنة عسكرية كانت قائمة في المنطقة.
ويقول إن الأهالي يتجنبون المرور قرب الثكنة وبعض الطرقات المؤدية إلى مزارعهم، خشية انفجار ألغام مجهولة. هذا الواقع لا يقيّد حركة التنقل فحسب، بل ينعكس مباشرة على النشاط الزراعي الذي يُعد مصدر رزق رئيسي للعائدين.
وبدأت وحدات مختصة مؤخرًا تنفيذ عمليات تفكيك في محيط الثكنة، إلا أن السكان يرون أن الخطر ما زال قائمًا، وأن تطهير الأرض بالكامل يحتاج إلى وقت طويل وإمكانات أكبر.
إعادة إعمار محدودة
إلى جانب خطر الألغام، يواجه العائدون تحديًا آخر يتمثل في حجم الدمار الكبير. عزام حمدو، أحد أبناء القرية الذين عادوا مؤخرًا، يقول إن بعض المنظمات الإنسانية رممت عشرات المنازل في القرى المحيطة بسلمى، مركزةً على إصلاح الأبواب والنوافذ والأرضيات وأعمال الألمنيوم والخشب.
لكن البيوت المدمرة كليًا ما زالت على حالها، شاهدة على سنوات من القصف والمعارك. ويؤكد حمدو أن هناك أحياء وقرى لم تصلها أي جهود ترميم حتى الآن، خاصة المناطق الأكثر عزلة وتضررًا.
العودة، بحسب قوله، لا تعني مجرد فتح باب منزل، بل تتطلب كهرباء وماء وطرقات سالكة ومدارس عاملة. “من دون هذه الخدمات، تبقى العودة ناقصة”، يضيف.
إزالة الأنقاض في جبل الأكراد
في محاولة لتحريك الواقع الخدمي، باشرت فرق الدفاع المدني السوري بالتعاون مع محافظة اللاذقية مشروعًا لإزالة الأنقاض في منطقة جبل الأكراد، بدءًا من بلدة سلمى، على أن يمتد إلى القرى المدمرة في محيطها.
يهدف المشروع إلى رفع الركام وفتح الطرقات المغلقة، بما يسهل حركة المركبات ويعزز وصول المواد الغذائية والخدمات الأساسية. ويؤكد سكان أن فتح بعض الطرقات أسهم بالفعل في تحسين الحركة التجارية، وعودة تدريجية إلى الأنشطة الزراعية.
قرى مثل دورين والمارونية والمرج شهدت عودة محدودة لسكانها خلال الأشهر الأخيرة. إلا أن هذه العودة تبقى مشروطة بتوفر حد أدنى من الأمان والخدمات، وعلى رأسها إزالة الألغام المحيطة بالبيوت والحقول.
طريق طويل نحو الاستقرار
رغم الجهود الجارية، لا تزال الحياة اليومية في ريف اللاذقية محفوفة بالمخاطر. فالألغام المنتشرة، والركام المتبقي، ونقص الخدمات الأساسية تجعل استعادة نمط حياة طبيعي عملية بطيئة وشاقة.
السكان يعتمدون على استمرار عمليات المسح الهندسي، وتوسيع مشاريع إزالة الأنقاض، وتأهيل المدارس والطرق، وتأمين وصول المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية. كما يؤكدون أن إعادة الاستقرار لا تتحقق فقط بترميم الجدران، بل بتأمين الأرض التي يسيرون عليها كل يوم.
في سلمى وجبل الأكراد، تبدو العودة ممكنة، لكنها مشروطة بخطوة أولى واضحة: تطهير الأرض من الألغام. فقبل أن تُعاد الحياة إلى المنازل، يجب أن يُرفع الخطر عن الطرقات والحقول. وبينما تتقدم الجرافات ببطء لإزالة الركام، تبقى فرق الهندسة أمام المهمة الأصعب… جعل الأرض آمنة من جديد.