غزة تنتظر قرارات لا وعود

2026.02.19 - 11:27
Facebook Share
طباعة

 في شوارع مدينة غزة، لا تتوقف الأحاديث عن السياسة، لكنها لم تعد تشبه سابق عهدها. داخل عربة صغيرة تقلّ شبانًا بين الأحياء المدمّرة، يدور نقاش يومي حول التطورات الميدانية، غير أن النبرة هذه المرة يغلّفها التذمّر أكثر من الحماسة. مع دخول شهر رمضان، تتضاعف الأعباء، وتتقدّم هموم المعيشة على ما سواها: ماء، طحين، مأوى، وأمان.

ورغم تكرار الحديث عن تحركات سياسية دولية، فإن الغزيين يتعاملون معها بحذر. فالاجتماع الأول لـ“مجلس السلام” المقرر عقده في واشنطن برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعاد فتح نافذة ضيقة للأمل، لكنه لم يُبدّد شكوكًا تراكمت خلال شهور طويلة من الوعود غير المكتملة.

انتظار العودة والأمن

في خيمة نزوحه ببلدة الزوايدة وسط القطاع، يتابع كريم حمدان نشرات الأخبار عبر إذاعة محلية عادت للعمل مؤخرًا. يقول إن أكثر ما ينتظره ليس تصريحًا سياسيًا، بل خبرًا محددًا: انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة التي يقع فيها منزله في مخيم جباليا شمال غزة. “أريد أن أعود فقط”، يختصر الرجل الخمسيني مطلبه.

فقد حمدان منزله خلال الحرب، وأصيبت ابنته، فيما يرافق بعض أطفاله زوجته خارج القطاع لتلقي العلاج. يخشى أن تطول رحلة العودة، أو أن تعترضها تعقيدات جديدة. بالنسبة له، أي اجتماع دولي لا يفضي إلى خطوات ملموسة على الأرض لن يعني الكثير. ما يريده هو ضمانات حقيقية لوقف الاعتداءات المتكررة، وفتح الطريق أمام عودة مئات آلاف النازحين إلى بيوتهم الواقعة داخل ما يُعرف بالخط الأصفر، وهي منطقة تلتهم نحو 60% من مساحة القطاع.

ويرى حمدان أن الأولوية القصوى تكمن في إلزام إسرائيل بتطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بما يشمل تسهيل إدخال المساعدات الإنسانية، وتوفير مساكن متنقلة (كرفانات) للأسر التي تعيش في خيام مهترئة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء.

مجلس السلام… صلاحيات واسعة واختبار مبكر

كان الرئيس ترمب قد أعلن في 16 يناير/كانون الثاني تشكيل “مجلس السلام” ضمن خطة أوسع لوقف الحرب على غزة، قبل أن يعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2803 في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، المتعلق بترتيبات ما بعد الحرب وإدارة المرحلة الانتقالية في القطاع.

ومن المفترض أن يتولى المجلس الإشراف على إدارة المرحلة الانتقالية، وتنسيق جهود إعادة الإعمار، وتأمين الدعم المالي الدولي، إلى جانب المساهمة في ترتيبات أمنية انتقالية قد تشمل نشر قوة استقرار دولية داخل غزة. كما يتضمن دعماً لمسار سياسي أوسع في المنطقة.

لكن في غزة، لا تُقاس أهمية هذه الصلاحيات بحجمها على الورق، بل بقدرتها على تغيير تفاصيل الحياة اليومية: إزالة الركام، إصلاح شبكات المياه والكهرباء، وفتح المعابر أمام السلع والمسافرين.

بين الركام والانتظار

في حي الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، يقف سالم أبو عميرة أمام منزله شبه المدمر، يحدّق في مشهد يمتد من الركام إلى المواقع العسكرية المقامة شرق المدينة. يقول إن ملايين الأطنان من الأنقاض ما زالت في مكانها، تعيق حتى محاولة العيش فوق ما تبقى من البيوت.

كان أبو عميرة قد استبشر خيرًا بإعلان تشكيل لجنة وطنية لإدارة القطاع، معتقدًا أن ذلك سيمهّد لتحسن خدماتي، غير أن القيود المفروضة حالت دون وصول أعضائها إلى غزة. بالنسبة له، الحديث عن إعادة إعمار لا يبدأ بالمؤتمرات، بل بإزالة الركام ووقف إطلاق النار فعليًا.

ويضيف أن ما يراه يوميًا هو حركة آليات عسكرية في المناطق الشرقية، تترافق أحيانًا مع إطلاق نار كثيف. “الناس تريد أن تشعر بالأمان أولًا”، يقول، معتبرًا أن أي مبادرة دولية لن تنجح ما لم تضع حدًا واضحًا للانتهاكات المتكررة.

أبرز المطالب الشعبية

يلخّص مراقبون ومحللون محليون جملة المطالب التي يعلّق عليها الغزيون آمالهم في اجتماع المجلس:

إلزام إسرائيل بوقف العدوان المتكرر داخل القطاع وخارجه.

الانسحاب من الخط الأصفر، بما يسمح بعودة نحو نصف سكان غزة إلى مناطقهم.

تسهيل عمل اللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وتوفير دعم مالي عاجل لها.

زيادة تدفق المساعدات والبضائع عبر المعابر، وتيسير حركة المسافرين، خصوصًا عبر معبر رفح.

إطلاق برامج تعافٍ عاجلة لإزالة الركام، وإدخال مساكن مؤقتة، وإعادة تأهيل البنية التحتية.

نشر قوات دولية لمراقبة وقف إطلاق النار وضمان استدامته.

تشاؤم حذر… وأمل لا ينطفئ

ورغم أن كثيرين باتوا أقل اهتمامًا بالتحركات السياسية بسبب انشغالهم بتأمين لقمة العيش، فإنهم لا ينكرون أن أي اختراق حقيقي قد يغيّر المشهد بسرعة. في المقاهي المؤقتة، وفي الأسواق التي عادت للحياة جزئيًا، يتردد السؤال ذاته: هل يملك مجلس السلام أدوات الضغط الكافية لترجمة قراراته إلى واقع؟

التجارب السابقة تركت أثرًا من التشاؤم، خاصة مع تعثر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. غير أن حجم المعاناة الإنسانية يدفع الناس إلى التمسك بأي فرصة قد تقود إلى انفراجة.

اليوم، تقف غزة بين الركام والسياسة. لا تنتظر خطابات مطوّلة، بل خطوات عملية تعيد الأمن والكرامة إلى أكثر من مليوني إنسان أنهكتهم الحرب. اجتماع واشنطن قد يكون بداية مسار مختلف… أو محطة جديدة في سلسلة الانتظار الطويل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2