قراءة الكلام قبل النطق… بين العلم والقلق

2026.02.19 - 09:52
Facebook Share
طباعة

 في صفقة أثارت الجدل، استحوذت شركة آبل على شركة إسرائيلية ناشئة تُدعى "كيو إيه آي" بمبلغ يقدر بين 1.5 و2 مليار دولار، رغم أن الشركة لم يتجاوز عمرها ثلاث سنوات، ولا تمتلك منتجًا في السوق أو إيرادات معلنة. لكن ما يميزها هو تطويرها لتقنية تُعد الأكثر إثارة للجدل في مجال التفاعل بين الإنسان والآلة: قراءة الكلام قبل النطق به.

وتعتبر هذه الصفقة ثاني أكبر استحواذ في تاريخ آبل بعد شرائها لشركة "بيتس" عام 2014. وتعتمد تقنية "الكلام الصامت" على رصد الإشارات الحركية الدقيقة التي يرسلها الدماغ إلى عضلات الوجه قبل لحظات من النطق، وتحويلها إلى كلمات وأوامر رقمية.

التقنية وراء الصفقة

تستخدم "كيو إيه آي" كاميرا بالأشعة تحت الحمراء مع خوارزميات تعلم آلي متقدمة، تلتقط تشنجات عضلية لا تراها العين بمعدل يصل إلى 500 إطار في الثانية. كما تجاوزت الشركة عقبة استخدام الأقطاب الكهربائية اللاصقة التي أعاقت التجارب الأكاديمية السابقة، معتمدة على مشبك يوضع حول الأذن يسلط ضوءًا خافتًا على البشرة لترجمة الحركة في خريطة دقيقة جدًا للوجه.

ويترأس الشركة المؤسس التنفيذي أفياد ميزيلز، الذي سبق أن باع لآبل تقنية الاستشعار ثلاثي الأبعاد من شركته "برايم سينس" مقابل 350 مليون دولار، والتي شكلت الأساس لخدمة "بصمة الوجه" في أجهزة آبل. وتشير تقارير غير رسمية إلى ارتباط ميزيلز وفرق أبحاثه بوحدة الحرب السيبرانية 81 بالجيش الإسرائيلي، بينما خدم شركاؤه في وحدات عسكرية مختلفة، من دون تأكيد رسمي لطبيعة هذه الأدوار.

استخدامات مثيرة للجدل

أثار الاستحواذ مخاوف متعلقة بالخصوصية والأمن، خصوصًا بعد إعلان رئيسة قسم تقنية الأعصاب في وكالة الأبحاث الدفاعية الإسرائيلية "مفات" أن التقنية نفسها تُطور لاستخدامها العسكري، لتمكين قوات العمليات الخاصة من التواصل دون إصدار أي صوت مسموع في ساحات القتال.

كما يمكن لأجهزة الاستشعار البصرية أن تحدد هوية المستخدم، وتقيس حالته العاطفية، ونبضات قلبه، ومعدل تنفسه، ما يجعلها أداة لرسم خريطة نفسية وبيولوجية كاملة في كل لحظة. وعلى الرغم من تأكيد آبل أن البيانات تُعالج محليًا على معالج "آبل سيليكون"، وتُخزن ضمن بنية حوسبة سحابية خاصة قابلة للتحقق المستقل، إلا أن الخبراء يحذرون من إمكانية توظيف هذه التقنية في مراقبة المستخدمين بشكل أوسع.

تحذيرات دولية واستراتيجية

سبق أن صنفت وثائق حلف شمال الأطلسي عام 2021 التقنيات القادرة على قراءة الإدراك البشري كتهديد إستراتيجي ضمن مفهوم "الحرب المعرفية"، أي الانتقال من مراقبة أفعال الإنسان إلى استباق ما ينوي فعله. ويثير استحواذ آبل المخاوف حول امتداد هذه التقنية إلى الاستخدام المدني، خصوصًا مع تاريخ طويل لتوظيف أجهزة المراقبة في البنى التحتية المدنية.

يبدو أن الصفقة تمثل مرحلة جديدة في التفاعل بين الإنسان والتكنولوجيا، حيث لم تعد الأجهزة الذكية مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت قادرة على قراءة الإشارات العصبية الدقيقة قبل أن تتجسد في كلام مسموع. ويطرح هذا التطور تساؤلات كبيرة حول الخصوصية، الأخلاقيات، والأمان الرقمي، وسط سباق عالمي نحو تطوير أجهزة قادرة على فهم وإدارة السلوك البشري بدقة غير مسبوقة.

ما ينتظر المستخدمين

من المتوقع أن تستخدم آبل هذه التقنية أولًا في تحسين واجهة المستخدم، وتحويل نية الكلام إلى أوامر رقمية دون نطقها فعليًا، مثل الكتابة الصامتة أو التحكم الصوتي المبكر. لكن الخوف يكمن في توظيفها لجمع بيانات حساسة عن الحالة النفسية والبدنية للمستخدمين، وهو ما قد يشكل تحديًا كبيرًا للمعايير القانونية والأخلاقية في المستقبل.

باختصار، استحواذ آبل على "كيو إيه آي" يفتح بابًا جديدًا للتفاعل البشري–الآلي، لكنه يحمل أيضًا مخاطر غير مسبوقة، تجعل الخصوصية ومراقبة السلوك البشري في صلب النقاش العالمي المقبل.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 8