تستعد الحكومة السورية لتنفيذ خطة اندماج فردي لعناصر "قوات سوريا الديمقراطية" ضمن المؤسسة العسكرية، بعد افتتاح مراكز لتسوية أوضاعهم في عدة محافظات، كان آخرها في إدلب. وتعكس هذه الخطوة ما يُعرف بالاندماج الفردي، الذي طالما أكدت عليه وزارة الدفاع السورية، بعد رفض "قسد" الانخراط ككتلة متكاملة ضمن الجيش خلال المفاوضات السابقة.
وتوضح الخطوة الجديدة أن مراكز التسوية لا تقتصر على تنظيم ملفات الأفراد فقط، بل تحمل رسائل سياسية واضحة تجاه "قسد"، إذ تعزز فكرة أن الانتساب للألوية سيكون فردياً وليس جماعياً. ومن المتوقع أن يشمل الاندماج بعض العناصر العربية وعدداً محدوداً من المنضمين حديثاً إلى "قسد"، بينما لن تشارك الغالبية العظمى في هذه التسويات.
وتشير المصادر إلى أن العملية تمثل قراءة مختلفة لبنود الاتفاق العسكري بين دمشق و"قسد"، إذ سيقدم الأخير قوائم بأسماء العناصر المرشحة للاندماج ضمن الألوية، رغم أن الاتفاق ينص على تشكيل أربعة ألوية كاملة لعناصر "قسد". ويظل الغموض محيطاً بكيفية تنفيذ الاندماج الفردي، خصوصاً في ظل إعلان قيادات "قسد" سابقاً أن الانضمام سيكون على مستوى الوحدات الكاملة.
من جهتها، فتحت وزارة الداخلية السورية مراكز لتسوية أوضاع عناصر "قسد" في محافظات حلب وإدلب ودير الزور والرقة، وحددت موعداً نهائياً لاستكمال الإجراءات حتى الأول من آذار. وتأتي هذه المراكز لتسليم الأسلحة والمعدات، وتسهيل حصول العناصر على وثائق رسمية وفرص للعمل ضمن وظائف عسكرية وأمنية لاحقاً، بما يعزز الأمن والاستقرار في المناطق المعنية.
ويبدو أن افتتاح مركز التسوية في إدلب له بعد رمزي واستراتيجي، إذ يوفر بيئة مستقرة أمنياً للعناصر الراغبة في تسوية أوضاعها، مقارنة بالمحافظات الأخرى التي ما زالت تشهد فوضى أمنية جزئية. وتعمل مؤسسات الدولة في الرقة والحسكة وجزء من دير الزور على تأسيس بنيتها، لكن غياب المراكز المكتبية يقلل من سهولة استيعاب العناصر الراغبة بالاندماج.
ووفقاً لتقديرات ميدانية، فإن التحركات الأخيرة بين الحكومة السورية و"قسد" تشير إلى استمرار تنفيذ الاتفاقيات بشكل سلس، ما يعزز الحكومة على الاستمرار في التسويات السلمية دون اللجوء إلى الحسم العسكري. ويأتي في هذا السياق مغادرة أكثر من ألف عنصر من "قسد" وحزب "العمال الكردستاني" نحو إقليم كردستان العراق، في خطوة تهدف لتسهيل التوافق الإقليمي، بما في ذلك تقبل تركيا للاتفاقيات الحالية ما دامت لا تشمل انتساب الكوادر الأجنبية ضمن الجيش السوري أو تجاوز الخطوط الحمراء المحددة.
ويغطي الاتفاق بين دمشق و"قسد" عدداً من البنود الأساسية، منها وقف إطلاق نار شامل، وإيقاف الاعتقالات والمداهمات، وانسحاب القوات من مدن الحسكة والقامشلي إلى الثكنات المتفق عليها، مقابل انسحاب الجيش السوري إلى بلدة الشدادي جنوب الحسكة. كما يشمل الاتفاق تشكيل فرقة عسكرية بمحافظة الحسكة ودمج عناصر "قسد" ضمن ثلاثة ألوية، إلى جانب دمج القوة العسكرية في عين العرب "كوباني" ضمن لواء تابع لفرقة حلب.
وتعد الخطوات الأخيرة مكمّلة لمسار التسوية الذي بدأت الحكومة السورية العمل عليه منذ بداية العام، إذ تهدف إلى دمج العناصر بشكل فردي ضمن الأطر العسكرية والأمنية القائمة، مع مراعاة الظروف المحلية لكل محافظة. وتؤكد هذه السياسة على أن التسوية لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تشمل عناصر اجتماعية وقانونية تتيح لهم العودة إلى حياتهم الطبيعية، بما يعزز من الاستقرار والأمن في مناطق واسعة من سوريا.
وبينما تظل تفاصيل الاندماج الفردي محل متابعة دقيقة، تشير المؤشرات إلى أن تسوية أوضاع العناصر في إدلب والرقة ودير الزور ستسهم في تعزيز عملية دمج محددة، مع التركيز على المجموعات المستعدة للتعاون ضمن الأطر الرسمية. كما تضع هذه الخطوات الحكومة أمام تحديات التنفيذ العملي، خصوصاً في ظل اختلاف تفسير الطرفين لبنود الاتفاق.
وفي المحصلة، تبدو هذه التسوية فرصة لاستعادة عناصر "قسد" لحياتهم الطبيعية، والانخراط في المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يخفف من حدة التوترات السابقة ويتيح تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في المناطق المتأثرة بالصراع، مع تعزيز دور الدولة في ضبط الأوضاع الأمنية والسياسية.