تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تحولات ميدانية متسارعة انعكست بشكل مباشر على حياة السكان اليومية. تغيّر خريطة السيطرة بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أدى إلى إغلاق طرق، وفرض قيود على الحركة، وانتشار ألغام على خطوط التماس، ما زاد من تعقيد المشهد الإنساني وأدى إلى وقوع ضحايا مدنيين.
تغيّر السيطرة وقيود الحركة
في الأسابيع الماضية، توسّعت سيطرة الجيش السوري على مناطق واسعة من شمال شرقي سوريا، ما أدى إلى انحسار وجود “قسد” ضمن المدن الرئيسة وبعض الأرياف. هذا التحول خلق واقعًا ميدانيًا جديدًا قائمًا على خطوط تماس متداخلة وطرق مقطوعة أو خاضعة لإجراءات أمنية مشددة، مما جعل التنقل بين مناطق السيطرة محفوفًا بالمخاطر.
الأهالي اضطروا إلى استخدام طرق جانبية وترابية لتفادي الحواجز، إلا أن هذه الطرق تمثل خطرًا داهمًا، خاصة مع انتشار الألغام الأرضية على أطراف المدينة وفي محيطها الجنوبي والشرقي. مع تزايد انتشار الألغام، بات أي تحرك خارج الطرق الرسمية مخاطرة غير محسوبة النتائج.
مداخل الحسكة بين الإغلاق الجزئي والكامل
في مدينة الحسكة، يظهر أثر هذه التطورات بشكل واضح على مداخلها. فقد أغلقت “قسد” المدخل الجنوبي بالكامل أمام الداخلين، مع السماح بالخروج فقط. أما المدخل الشرقي، فيخضع لفتح وإغلاق متكرر، ما يترك السكان في حالة ترقب دائم ويؤثر على انتظام حياتهم اليومية، خصوصًا من يحتاجون للتنقل للعمل أو الدراسة أو العلاج الطبي.
التنقل عبر هذه المداخل أصبح عملية معقدة، إذ تتغير القرارات بشكل مستمر، ما يجعل التخطيط لأي نشاط يومي أمرًا صعبًا، ويجعل الاعتماد على الطرق البديلة مخاطرة ذات تبعات كبيرة.
حظر تجول وتأثيره على الخدمات الطبية
المدن الواقعة تحت سيطرة “قسد” تخضع لحظر تجول يمتد من السادسة مساء حتى السادسة صباحًا، مما يحد من إمكانية الوصول إلى الخدمات الطبية في ساعات الليل، خاصة الحالات الطارئة القادمة من الأرياف.
النتيجة أن الأهالي باتوا يضطرون إلى انتظار فتح المداخل أو اللجوء لأساليب إسعاف بدائية أو التواصل عن بعد مع الأطباء، ما يزيد من خطورة الحالات الصحية ويضع حياة المرضى والأطفال في خطر متزايد.
أعباء اقتصادية من طرق وعرة
إغلاق الطرق وتغيّر خطوط السيطرة أثر أيضًا على الاقتصاد المحلي. أصحاب وسائل النقل بين المدينة والريف رفعوا الأسعار لتغطية استخدام طرق وعرة وطويلة لتفادي الحواجز، ما زاد من عبء تكاليف التنقل على الأهالي.
الزيادة في تكلفة النقل تقلل من قدرة الكثير من الأسر على الوصول إلى الأسواق أو بيع محاصيلهم الزراعية، وتزيد من عزلة المناطق القريبة من خطوط التماس، خاصة تلك التي يرفض السائقون المرور بها خوفًا من الألغام أو الاستهداف.
الألغام: خطر يقتل المدنيين
الخطر الأكبر يتمثل في الألغام المنتشرة على الطرق الترابية المحاذية للمدينة، والتي أدت إلى وفاة مدنيين في حوادث سابقة. حتى الطرق التي تبدو أكثر أمانًا قد تحمل مخاطر غير مرئية، ما يزرع الخوف بين السكان الذين يضطرون إلى سلوك طرق بديلة بشكل يومي، في غياب خرائط دقيقة أو حملات إزالة ألغام معلنة.
قلق يومي وحياة متوقفة
الأهالي يعيشون حالة من القلق المستمر، تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والمعيشية. حركة السكان من وإلى المدينة باتت غير منتظمة، ما يؤثر على التعليم والعمل والأسواق. البعض يلجأ للانتقال مؤقتًا إلى المدينة لتفادي مشاكل التنقل، بينما يضطر آخرون للبقاء في منازلهم، مما يحد من النشاط الاقتصادي ويؤثر على حياة المجتمعات الريفية.
الحاجة إلى تنظيم وتخطيط واضح
بين الاعتبارات الأمنية واحتياجات الحياة اليومية، يجد المدنيون أنفسهم عالقين. هناك حاجة ملحة لتنظيم حركة الدخول والخروج بشكل واضح، تحديد أوقات ثابتة لفتح المداخل، وإطلاق حملات تحذيرية عن مخاطر الألغام، مع العمل على إزالتها لتجنب المزيد من الضحايا.
حتى الآن، تبقى حياة أهالي الحسكة رهينة التطورات الميدانية وخطوط التماس المتغيرة، فيما يبحث السكان عن طرق آمنة ولو كانت أطول وأكثر كلفة، لتسيير شؤونهم اليومية في واقع معقد لم تستقر ملامحه بعد.