أوروبا تستخدم قسد لرسائل سياسية

عمر بندقجي - دمشق

2026.02.17 - 08:44
Facebook Share
طباعة

 شهد مؤتمر ميونخ للأمن لعام 2026 تغيّراً واضحاً مقارنة بالنسخة السابقة، إذ لم يقتصر الحضور على الحكومة السورية، بل شهدت الدورة الحالية مشاركة وفد عن قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما أتاح للوفد عقد لقاءات مهمة مع مسؤولين أوروبيين، أبرزهم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، إلى جانب لقاءات ضمن الوفد المشترك مع وزير الخارجية الأميركي.

وأوضحت مسؤولة العلاقات الخارجية لقسد، إلهام أحمد، أن لقاء الوفد مع وزير الخارجية الأميركي ماركو ربيو جاء بطلب أميركي، في حين عقد الوزير الألماني لقاءات منفصلة مع وفدي الحكومة السورية وقسد، ما يعكس تبايناً واضحاً بين المواقف الأميركية والأوروبية تجاه سوريا.

مؤتمر ميونخ يصنف من أهم الفعاليات العالمية في صياغة السياسات الأمنية، ويعكس حرص المنظمين الأوروبيين على إتاحة المجال لقسد للتفاعل، في خطوة تحمل رسائل سياسية مهمة، خاصة بعد أن اقتصرت النسخة السابقة على الدعوة الرسمية للجهات الحكومية السورية.

وبعد سقوط نظام الأسد أواخر 2024، سعت ألمانيا وفرنسا إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في دمشق، مع التأكيد على ضرورة إنهاء وجود القواعد الروسية في سوريا، خشية تأثيرها على الأمن الأوروبي، خصوصاً في حوض المتوسط. لكن التطورات الميدانية خلال العام الماضي، بما في ذلك زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو وارتفاع مستوى التنسيق العسكري والاستخباري مع القوات الروسية، أظهرت محدودية النفوذ الأوروبي في سوريا.

وفي هذا السياق، حمل حضور قسد إلى ميونخ رسائل مزدوجة: أولاً إلى الحكومة السورية، لتأكيد الاهتمام الأوروبي بالقوة الكردية كجهة مستقلة؛ وثانياً إلى الإدارة الأميركية، بما يتيح متابعة التفاهمات الأميركية-الروسية دون استبعاد الدور الأوروبي. ويُرجح أن مشاركة قسد المنفصلة سمحت للوفد الأوروبي بتوجيه رسائل سياسية متعلقة بحماية مصالحه الاقتصادية، خصوصاً في قطاع الطاقة والاستثمارات داخل سوريا.

ومنذ وصول إدارة ترمب إلى البيت الأبيض مطلع 2025، بدا أن السياسة الأميركية تميل نحو التفاوض المباشر مع روسيا بشأن الحرب في أوكرانيا، مع تقليص الدعم العسكري الأوروبي، مما أضعف دور الدول الأوروبية في الملف السوري. ورغم ذلك، سارعت ألمانيا وفرنسا إلى اتخاذ خطوات عملية، بما فيها التشويش على جهود الإدارة الأميركية لتوحيد سوريا ودمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما نجحت فيه جزئياً، إذ أعادت قسد نشر قواتها في مدينة الحسكة ومحيطها، وسمحت بعودة المسيرات الشعبية التي ترفع صور زعيم حزب العمال الكردستاني، رغم اتفاقاتها السابقة مع الحكومة السورية برعاية أميركية.

ويشير مراقبون إلى أن استضافة مؤتمر ميونخ لوفد قسد بشكل منفصل عن الحكومة السورية لم يقتصر على إرسال رسائل إلى دمشق وواشنطن فحسب، بل يعكس رغبة بعض الدول الأوروبية، مثل فرنسا، في الحفاظ على نفوذها في سوريا عبر دعم استقلالية قسد، خصوصاً في ظل المخاوف من سيطرة الولايات المتحدة ودول إقليمية على الموارد والاستثمارات في قطاع الطاقة. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تتراجع بعض الدول عن دعم قسد حال حصولها على مكاسب اقتصادية أو سياسية مهمة، ما يجعل الدور الأوروبي مرهوناً بالمصالح المتغيرة.

ختامًا، يُظهر حضور قسد في مؤتمر ميونخ 2026 مدى تعقيد المشهد السوري من الناحية الدبلوماسية، حيث تتقاطع الرسائل الأوروبية مع المصالح الأميركية والروسية، في ظل استمرار التنافس على النفوذ في سوريا، وتحديات دمج القوى المحلية ضمن مؤسسات الدولة، وإدارة الملفات الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالمرحلة الجديدة من السيادة السورية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 1