بعد النجاح الجزئي الذي حققته الحكومة السورية في شرق البلاد عبر إدارة ملف "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) باستخدام أدوات سياسية وعسكرية متوازنة وبالتنسيق مع الولايات المتحدة، تتجه الأنظار إلى ملف آخر حساس، وهو محافظة السويداء في جنوب البلاد، حيث ما تزال الأزمة تراوح مكانها منذ أكثر من سبعة أشهر، ما زاد من فجوة الثقة بين الأطراف المحلية مع تراجع جهود الوسطاء.
بدأت الأحداث في السويداء في 13 يوليو/تموز الماضي، إثر توترات بين مسلحين من البدو المحليين ومجموعات درزية، تدخلت الحكومة بعدها بإرسال قواتها ومن ثم قوات عشائرية، ما أسفر عن مقتل المئات من المدنيين والعسكريين، وتشريد عشرات الآلاف من الأهالي بين المهجرين والنازحين، وسط تقارير عن انتهاكات خطيرة شملت تهجير السكان وإعدامات ميدانية.
حصيلة المعتقلين والمهجّرين
تشير بيانات محلية إلى أن هناك نحو 230 مفقوداً بينهم نساء وأطفال، مع الإفراج عن بعضهم، والتحقق من اعتقال آخرين لدى الحكومة السورية، وتأكيد وفاة عدد منهم. كما أقرّت الحكومة بوجود 111 محتجزاً في سجن عدرا بريف دمشق، أفرج عن 60 منهم على دفعات، لتبقى حصيلة المعتقلين النهائية 51 سجيناً.
وبخصوص المهجّرين، فقدّر عدد المدنيين الذين غادروا القرى بـ150 ألفاً، فيما نزح حوالي 70 ألف بدوي إلى مناطق أخرى، خصوصاً إلى محافظة درعا، بينما بقي معظم الدروز في مراكز إيواء أو بيوت مستأجرة أو عند أقاربهم.
التحقيقات والمحاسبة
شكلت الحكومة لجنة تحقيق عقب الأحداث، وذكرت أن الانتهاكات كانت جسيمة وتتطلب متابعة قانونية دقيقة. وقد تم توقيف عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية ظهرت أسماؤهم في مقاطع فيديو على مواقع التواصل، في انتظار اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وأكدت اللجنة استمرار جمع المعلومات عبر مقابلات مع المدنيين والقوات الحكومية ووسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن وصولها إلى بعض مناطق السويداء ظل محدوداً.
الدرس من ملف "قسد"
يتساءل البعض عن إمكانية تطبيق الاستراتيجية التي اعتمدتها الحكومة مع "قسد" على ملف السويداء، أي الاحتواء السياسي والأمني التدريجي بدل المواجهة المفتوحة. فقد اعتمدت دمشق في شرق سوريا على ضغط عسكري محدود إلى جانب تحرك سياسي مستفيد من التغير في أولويات واشنطن ورغبتها في تقليص وجودها، ما دفع "قسد" نحو خيارات براغماتية. ومع ذلك، يظل كسب الموقف الأميركي أساسياً لأي تحرك في السويداء، بسبب الدور الإسرائيلي والعامل الإقليمي الذي يصعب تجاوزه إلا بضغط أميركي أو تفاهم مباشر مع إسرائيل، وهو ما سيكون باهظ التكلفة على الحكومة السورية.
التحديات المحلية والدور الإسرائيلي
تسيطر فصائل محلية على القرار الأمني في السويداء، خاصة المرتبطة بالشيخ حكمت الهجري، ورفضت الانخراط في "خريطة الطريق" المعتمدة في عمّان وباريس، بدعم جزئي من إسرائيل و"قسد". وتشير مصادر غربية إلى أن دعم إسرائيل شمل أسلحة وأموال ورواتب وتدريباً لعناصر هذه الفصائل منذ ديسمبر 2024، في محاولة للضغط على الحكومة واستثمار ملف السويداء كورقة استراتيجية.
ويرى ناشطون أن إسرائيل تستغل الوضع لإدراج السويداء ضمن أولويات أمنها القومي وإحراج واشنطن، بينما تدفع الحكومة السورية نحو معالجة الملف السياسي تدريجياً ضمن سيادة الدولة.
مبادرات محلية وخيارات الحل
يشدد الناشطون على ضرورة خطوات عملية وحقيقية من الحكومة، بدءاً بالاعتراف بالجرائم والمحاسبة العلنية، وإعادة المهجّرين إلى قراهم وتعويضهم، وتأمين حق التعليم والمرافق العامة، وتوسيع المشاركة المحلية ضمن الدولة السورية. كما يُطرح اعتماد إدارة محلية ضمن الإطار الوطني، وتمثيل أبناء السويداء في المناصب المدنية والأمنية بما يراعي الكفاءة.
ويرى ناشطون آخرون أن الحديث عن الانفصال غير واقعي، وأن مصالح إسرائيل مختلفة عن مصالح تركيا، وأن السويداء جزء أساسي من وحدة سورية، حيث لعب أبناؤها تاريخياً دوراً في الحفاظ على سيادة البلاد ووحدتها.
ملف السويداء يبقى معقداً، حيث تتقاطع الأبعاد المحلية والإقليمية والدولية. والحل يحتاج إلى تحرك حكومي جاد، مع استثمار المبادرات المحلية وتقديم ضمانات لعودة المهجّرين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. ويظل درس شرق الفرات في التعامل مع "قسد" مرجعاً لما يمكن أن يكون نموذجاً للتعامل مع الاستعصاء السياسي جنوب سورية، مع الأخذ بالاعتبار خصوصية الوضع المحلي والإقليمي.