بدأت الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في سوريا بشكل تدريجي، مع انسحاب القوات من قاعدتي "التنف" في محافظة حمص و"الشدادي" في محافظة الحسكة، في خطوة تعكس تحولات استراتيجية في دور التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش"، وتزامنًا مع جهود دمج قوات سوريا الديمقراطية "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية.
تفاصيل الانسحاب
أعلنت وزارة الدفاع السورية استلام القاعدتين بعد التنسيق مع الجانب الأميركي، ما يعني إنهاء الوجود الأميركي في محافظة دير الزور وريف الحسكة الجنوبي، بعد انسحاب سابق من قواعد "كونيكو" و"العمر".
وأظهرت مقاطع فيديو من مركز إعلام الحسكة دخول أرتال شاحنات فارغة تابعة للتحالف الدولي عبر معبر اليعربية على الحدود العراقية لنقل المعدات العسكرية من قاعدة الشدادي، في إطار الانسحاب الكامل.
القواعد الأميركية في سوريا
بدأ الوجود العسكري الأميركي في أكتوبر 2015، مع نشر أول 50 مستشارًا "غير قتالي" ضمن التحالف الدولي لمحاربة "داعش". وشمل التواجد عدة قواعد، منها:
حقل العمر النفطي وكونيكو للغاز في دير الزور.
الشدادي، خراب الجير، تل بيدر، مبروكة في محافظة الحسكة.
قاعدة التنف في بادية حمص قرب الحدود العراقية والأردنية.
وفي يونيو 2025، أعلنت الإدارة الأميركية تقليص وجودها العسكري إلى قاعدة واحدة في شمال شرق سوريا، بعد أن كانت تتحكم في نحو 8 قواعد موزعة بين الحسكة ودير الزور وحمص.
قاعدة "الشدادي"
تقع قرب مدينة الشدادي جنوب الحسكة، وكانت مركزًا للتحالف الدولي وقوات "قسد" في ريف الحسكة الجنوبي والشرقي وريف دير الزور، خصوصًا حقول النفط والغاز. واحتوت القاعدة على مدرج موسع ومعدات عسكرية لدعم العمليات ضد "داعش".
قاعدة "التنف"
أسست عام 2016 في بادية حمص قرب معبر الوليد الحدودي مع العراق، وتركزت مهامها على محاربة "داعش" والحد من النفوذ الإيراني في المنطقة، كما دعمت تشكيلات محلية مثل "جيش سوريا الحر" لتأمين البادية ومحيط القاعدة.
قاعدة "خراب الجير" وقصرك
خراب الجير: تقع شمال الحسكة، وتحتوي على معدات ومطار صغير، تمهيدًا لإخلائها ضمن عملية الانسحاب الأميركية.
قصرك: الطريق الدولي M4 قرب تل تمر، لا يزال يضم نحو 1000 جندي أميركي، ويستخدم كمركز عمليات للتحالف الدولي مع "قسد".
دوافع الانسحاب
قال قائد القيادة المركزية الأميركية إن الانسحاب يهدف لدعم شركاء الولايات المتحدة في منع عودة تنظيم "داعش"، مؤكدًا أن القوات ستبقى على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات. وأشار المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إلى أن الوجود الأميركي لن يكون طويل الأمد، داعيًا الأطراف المحلية للاندماج في مؤسسات الدولة السورية.
الآثار المتوقعة
الإيجابيات المحتملة:
تعزيز السيطرة المحلية لقوات الدولة السورية على كامل أراضيها، بما يشمل حقول النفط والغاز.
تقليل الاعتماد على التواجد العسكري الأجنبي، بما يعزز السيادة الوطنية.
دفع الأطراف المحلية إلى التسوية السياسية والاندماج ضمن مؤسسات الدولة، خصوصًا "قسد".
التحديات والسلبيات:
استمرار وجود خلايا إرهابية محتملة في مناطق سابقًا مراقبة من قبل التحالف، ما قد يفرض الحاجة إلى تعزيز القوات المحلية.
تقليص الدعم اللوجستي والتقني للقوات المحلية في مكافحة "داعش"، ما قد يؤثر على فعالية العمليات الأمنية.
تحديات لوجستية لضمان حماية البنية التحتية الحيوية مثل النفط والغاز والطرق الحدودية.
يرى محللون أن الانسحاب الأميركي لا يعني بالضرورة نهاية الوجود العسكري في سوريا، بل تحويله إلى تواجد محدود ومركز في مواقع استراتيجية. ويشيرون إلى أن نجاح دمج "قسد" في مؤسسات الدولة السورية سيكون مؤشراً أساسياً على قدرة الدولة على إدارة المناطق الشمالية والشرقية بدون الاعتماد المباشر على القوات الأجنبية.
ويضيف الخبراء أن العملية تمثل فرصة لتعزيز القدرات المحلية في الأمن وإدارة الموارد، لكن تتطلب وجود خطط واضحة لضمان الاستقرار الأمني والسيطرة على المناطق التي كانت تشهد نشاطات تنظيمية محتملة.
مع إخلاء "التنف" و"الشدادي"، يشهد الوجود الأميركي في سوريا تحولاً واضحًا من انتشار واسع إلى تواجد محدود يركز على الشمال الشرقي، مع استمرار التنسيق مع "قسد". ويظل السؤال حول مدى قدرة الدولة السورية والقوات المحلية على ملء الفراغ الأمني والاستراتيجي دون التأثير على الاستقرار العام، خصوصًا في المناطق الحساسة من الناحية العسكرية والاقتصادية.