بعد عام صعب طغت عليه تداعيات الحرب والانكماش الحاد، عاد الحديث في 2025 عن “نمو اقتصادي” في لبنان بلغ 3.5%. للوهلة الأولى، يبدو الرقم مؤشراً إيجابياً في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة. غير أن قراءة متأنية في تركيبة هذا النمو تكشف صورة أكثر تعقيداً: ارتفاع مدفوع أساساً بالاستهلاك، لا بتوسّع الإنتاج أو بعودة الاستثمار.
وفق المعطيات المتداولة، شكّل الاستهلاك الخاص المحرّك الرئيسي للنمو، مساهماً بنحو 1.8 نقطة مئوية من أصل 3.5%. ويعود ذلك إلى استمرار تدفّق التحويلات المالية من الخارج، وازدياد دولرة الأجور في القطاع الخاص، إلى جانب تحسّن نسبي في الاستقرار بعد مرحلة الانكماش. كذلك ساهم الإنفاق العام بنحو 0.9 نقطة، في ظل زيادة محدودة في المصروفات الحكومية مقارنة بعام 2024. أما صافي الصادرات، فقد أضاف مساهمة إيجابية طفيفة قُدّرت بـ0.5 نقطة، نتيجة نمو صادرات الخدمات وتراجع محدود في الواردات. في المقابل، بقي الاستثمار الحلقة الأضعف، إذ لم تتجاوز مساهمته 0.2 نقطة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين وضعف الإنفاق على إعادة الإعمار.
ارتداد ما بعد الانكماش
عام 2024 شهد انكماشاً قاسياً قارب 7% بفعل الحرب وتراجع الاستهلاك إلى حدوده الدنيا. وعادةً، بعد أي صدمة كبرى، يسجّل الاقتصاد ما يُعرف بـ”الارتداد التقني” مع عودة الاستقرار النسبي. وهذا ما حدث في 2025: استعادة جزء من الطلب المؤجّل، وتحسّن محدود في القدرة الشرائية لدى بعض الفئات، ما انعكس نمواً رقمياً.
خبير اقتصادي يوضح أن “الارتفاع الحالي طبيعي بعد سنة انكماش حاد، لكنه لا يعكس تحوّلاً هيكلياً في بنية الاقتصاد”. ويضيف أن أي اقتصاد يتراجع استهلاكه بشدة ثم يستعيد جزءاً منه، سيُظهر نمواً حسابياً، حتى لو بقيت أسسه الإنتاجية ضعيفة.
استهلاك بلا إنتاج
الإشكالية الأساسية تكمن في نوعية هذا النمو. ففي الاقتصادات المتقدمة، يمكن للاستهلاك أن يقود دورة توسّع متكاملة بفضل قاعدة إنتاجية قوية. أما في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، فإن زيادة الطلب تعني غالباً ارتفاعاً في الواردات، لا في الإنتاج المحلي.
ورغم ارتفاع الحصّة النسبية للزراعة والصناعة في الناتج منذ 2020، فإن ذلك لم يكن نتيجة توسّع فعلي في القدرة الإنتاجية، بل بسبب تقلّص حجم الاقتصاد ككل. عملياً، لم تشهد هذه القطاعات استثمارات نوعية كفيلة بتحقيق نقلة مستدامة، بل بقيت تتحرّك ضمن هوامش ضيّقة.
صناعي لبناني يقول إن “الطلب موجود، لكن البيئة الاستثمارية غير مستقرة، والكلفة التشغيلية مرتفعة، ولا توجد سياسات واضحة لدعم الإنتاج”. ويشير إلى أن معظم المصانع تعمل بأقل من طاقتها القصوى، فيما يُفضّل المستثمرون الانتظار بدل ضخّ أموال جديدة في ظل ضبابية المشهد.
تحويلات ودولرة… حلول ظرفية
التحويلات من الخارج شكّلت أحد أعمدة الاستهلاك في 2025، ما ساهم في تحسين القدرة الشرائية لعدد كبير من الأسر. غير أن هذا العامل يعكس استمرار الاعتماد على الدخل الخارجي، لا دينامية اقتصادية داخلية. كذلك، فإن دولرة الأجور في القطاع الخاص ساعدت فئات معينة على مواجهة تدهور العملة، لكنها تبقى آلية تكيّف لا سياسة نمو، إذ لا ترتبط بارتفاع الإنتاجية أو بإصلاح هيكلي في سوق العمل.
خبير مالي يلفت إلى أن “أي اقتصاد يعتمد على التحويلات لتعزيز الطلب الداخلي يظل عرضة لتقلبات الخارج، سواء بسبب الأوضاع الإقليمية أو تغيّر ظروف المغتربين”.
الاستثمار… الغائب الأكبر
المؤشر الأكثر دلالة يبقى ضعف الاستثمار. فالمساهمة المحدودة التي لم تتجاوز 0.2 نقطة تعكس استمرار القيود البنيوية: أزمة مصرفية غير محلولة، غياب إصلاحات مؤسسية شاملة، وتردّد المستثمرين في ظل بيئة غير مستقرة. الاستثمار هو المحرّك الفعلي لخلق فرص العمل وتحسين الأجور وتوسيع الصادرات، وبدونه يصعب الحديث عن تعافٍ حقيقي.
اقتصادي مستقل يختصر الصورة بالقول: “لدينا استهلاك بلا إنتاج كافٍ، ونمو بلا استثمار، ما يعني أن الدورة الاقتصادية غير مكتملة”. ويضيف أن أي تحسّن مستدام يتطلب خطة واضحة لدعم القطاعات القادرة على التصدير، وتطوير البنية التحتية، واستعادة الثقة بالقطاع المالي.
تعافٍ أم وهم رقمي؟
في المحصلة، لا يمكن إنكار أن 2025 شهد تحسناً مقارنة بعام الحرب، لكن توصيفه كتعافٍ شامل يبدو مبالغاً فيه. النمو المسجّل أقرب إلى ارتداد تقني منه إلى انطلاقة جديدة. فهو لم ينبع من توسّع في الإنتاج أو من طفرة استثمارية، بل من زيادة في الاستهلاك مدفوعة بعوامل خارجية وظرفية.
التحدي الحقيقي أمام لبنان لا يتمثل في تسجيل نسبة نمو أعلى، بل في تغيير نوعية هذا النمو. فبدون تحوّل نحو اقتصاد أكثر إنتاجية واستثماراً، سيبقى أي تحسّن هشّاً ومعرّضاً للتراجع عند أول صدمة جديدة.