تعيش مدينة طرابلس حالة من الترقب والقلق، بعد سلسلة انهيارات مروعة للمباني، والتي هزت المدينة وأثارت هلع سكانها. هذه الأحداث دفعت السلطات المحلية والقوى الأمنية إلى تحركات عاجلة لإخلاء المباني الأكثر عرضة للسقوط، في محاولة لتفادي الكارثة قبل وقوعها.
ويشير نقيب المهندسين في طرابلس شوقي فتفت إلى أن الانهيارات الأخيرة تعود لأسباب هندسية، منها عدم قدرة المباني على تحمل الطبقات الإضافية، وتأثر بعضها بتسرب المياه والأمطار، بالإضافة إلى ضعف شبكات الصرف الصحي، ما ساهم في تسريع سقوط بعض المنشآت. ويؤكد أن حوالي 2400 وحدة سكنية بحاجة ماسة للترميم والدعم، خاصة في المناطق القريبة من السوق القديمة، وأن تكلفة إعادة ترميم هذه المباني تتراوح بين 30 و40 مليون دولار.
وفي إطار جهود التنسيق، جال المطران يوسف سويف، راعي أبرشية طرابلس المارونية، مع وفد من أبناء المدينة على المسؤولين، مؤكداً أن الأولوية تكمن في إخلاء المنازل المهددة، وتوفير مأوى مؤقت للسكان، على أن توفر الدولة بدل إيجار لمدة سنة، سواء في طرابلس أو في أماكن أخرى. وأضاف المطران سويف أن خطة العمل تشمل ترميم الأبنية الممكن ترميمها وهدم ما يجب هدمه، وإنشاء صندوق شراكة بين الدولة والقطاعين المدني والديني، ليعمل على مستويين: محلي وإقليمي، يشمل الدول العربية الشقيقة.
وحول مراكز الإيواء المؤقتة، قال المطران سويف إن الوزارة سلمت لائحة بالأماكن المتاحة، مثل دير تابع للأبرشية وطوابق فارغة في مدارس، فيما أبدت بلديات في جبيل وشكا استعدادها لتقديم المساعدات. لكنه شدد على أن الحل الأسرع والأكثر حفاظاً على كرامة العائلات يتمثل في البيوت الخشبية الجاهزة، والتي يمكن تجهيزها خلال شهر أو شهرين. وختم بدعوة المجتمع المدني والأهلي والدولي إلى التضامن مع المتضررين، معبراً عن مخاوفه من الأمطار التي قد تزيد الوضع خطورة.
في الوقت نفسه، تحاول طرابلس الحفاظ على نسق حياتها اليومية رغم الأزمة، مع اقتراب شهر رمضان المبارك. المدينة التي لطالما اعتادت استقبال الشهر الفضيل بالأضواء والزينة والروح الاحتفالية، تحرص هذا العام على الجمع بين الطابع الرمضاني والحياة الواقعية للمدينة. الأحياء تتحول إلى مساحات نابضة بالحياة، مع موائد إفطار وأنشطة ومعارض تشارك فيها الجمعيات والمؤسسات الإنسانية والتجارية.
إضافة إلى الأجواء الروحية، تقدم عروض "الفتلة المولوية" بعداً روحياً خاصاً، يختلط فيه السمو الروحي مع حزن المدينة العميق نتيجة الانهيارات والفاجعة التي ألمت بها. وفي الوقت نفسه، تحمل هذه التحضيرات بعداً اقتصادياً مهماً، إذ تسهم النشاطات الرمضانية في تحريك عجلة الأسواق، وخلق فرص عمل موسمية، وهو ما يحتاجه سكان المدينة في ظل الأزمة المعيشية.
وبجانب النشاطات الاحتفالية، تركز بعض المبادرات على الجانب الإنساني، من خلال جمع تبرعات غذائية ومالية لدعم المتضررين من الأبنية المنهارة، وفق آليات شفافة تعكس التآخي الاجتماعي وحجم التفاعل مع الأزمة. حتى الأسواق الشعبية مثل سوق القمح تشهد حركة نشطة، حيث تتسابق العائلات لتأمين مستلزماتها لشهر الصيام، رغم ارتفاع الأسعار أحياناً.
ويرى ناشطون ومختصون أن نشاطات مثل معرض رشيد كرامي الدولي يمكن استثمارها لتحريك الاقتصاد على نحو أكثر انتظاماً، مع توفير فرص عمل مستدامة للشباب، وتقليل أثر الأزمة على السكان. فهم يرون في المواسم فرصة حقيقية للنهوض الاقتصادي والاجتماعي، وليس مجرد طابع موسمي، بحيث تصبح الحركة التجارية والإنسانية جزءاً من خطة شاملة للتعافي.
في الخلاصة، طرابلس اليوم تواجه تحديات كبيرة، بين انهيارات المباني ومخاطر الأمطار، وبين المحافظة على الطابع الاحتفالي لشهر رمضان والحاجة إلى دعم السكان اقتصادياً وإنسانياً. المدينة تحاول أن تجمع بين الحذر والاحتفال، بين الواقع والروحانية، بين الخطر والأمل، في رحلة صعبة لكنها تعكس صمود أهلها وقدرتهم على مواجهة المحن.