واشنطن وإسرائيل: الضفة بين الرفض والتجاوز

2026.02.11 - 10:00
Facebook Share
طباعة

 في الوقت الذي تعلن فيه واشنطن معارضتها ضم إسرائيل للضفة الغربية، تواصل الحكومة الإسرائيلية اتخاذ خطوات عملية تعيد رسم الواقع القانوني والسياسي للمنطقة، ما يبرز فجوة كبيرة بين التصريحات الأمريكية والواقع الميداني على الأرض. ويبدو أن هذه الفجوة تختبر فعليًا حدود نفوذ الولايات المتحدة على تل أبيب.

الرئيس الأمريكي أعلن مؤخرًا معارضته لأي ضم رسمي للضفة، لكنه لم يتطرق لتفاصيل الإجراءات الإسرائيلية التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية لتوسيع سيطرتها. وقال باختصار: "لدينا ما يكفي من الأمور التي تشغلنا الآن. لسنا بحاجة إلى الخوض في شؤون الضفة الغربية".

الأمر الذي يثير القلق هو سلسلة القرارات الأخيرة التي أقرها المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في إسرائيل، المعروفة بـ"الكابينت". هذه القرارات تهدف إلى تعديل الواقع القانوني والمدني في الضفة الغربية، بما يتيح لإسرائيل تعزيز سيطرتها في مناطق "أ" و"ب" التي كانت تخضع جزئيًا للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو.

وتشمل الإجراءات الجديدة توسيع صلاحيات الرقابة الإسرائيلية لتشمل البناء غير المرخص، قضايا المياه، والمواقع الأثرية والبيئية، وهو ما يسمح بتنفيذ عمليات هدم ومصادرة لممتلكات فلسطينية في مناطق كانت تُدار جزئيًا من قبل الفلسطينيين. إضافة إلى ذلك، تسهّل هذه الخطوات استمرار البناء الاستيطاني في الضفة، وتقوّض بشكل واضح فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وتأتي هذه الإجراءات في إطار خطوات تراكمية اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية، شملت توسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية، تسريع المصادقة على مخططات استيطانية، وتقليص الدور الفلسطيني في إدارة الأراضي. ويُشير ذلك إلى استراتيجية إسرائيلية منهجية لتوسيع السيطرة على الضفة الغربية من دون إعلان ضم رسمي، في ما وصفه المراقبون بـ"الضم الفعلي".

المواجهة الأمريكية: رفض لفظي بلا عقوبات

في المقابل، تصر الولايات المتحدة على رفض ضم الضفة الغربية، وقد أعرب الرئيس الأمريكي ومبعوثوه عن قلقهم من الإجراءات الإسرائيلية. فقد طلب مبعوثا الرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ديسمبر الماضي تهدئة الأوضاع في الضفة، لكن الخطوات الإسرائيلية استمرت.

وأكد مسؤول في البيت الأبيض أن "استقرار الضفة الغربية يحافظ على أمن إسرائيل ويتماشى مع هدف الإدارة الأمريكية بتحقيق السلام في المنطقة". لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إجراءات قوية أو عقوبات، ما يترك المجال للحكومة الإسرائيلية لمواصلة تنفيذ سياساتها دون مواجهة مباشرة من واشنطن.

سبق للرئيس الأمريكي في سبتمبر الماضي، قبل الإعلان عن خطة لوقف إطلاق النار في غزة، أن شدد على رفضه لأي ضم رسمي، في سياق استياء عربي ودولي من تصريحات إسرائيلية سابقة حول فرض السيادة على الضفة. ورغم ذلك، مضت الحكومة الإسرائيلية في تمرير قوانين ومخططات استيطانية، مما اعتُبر اختبارًا صريحًا لقدرة الولايات المتحدة على التأثير على تل أبيب.

تعزيز الاستيطان وإلغاء أدوات الضغط

في خطوة لافتة، ألغى الرئيس الأمريكي السابق أمرًا تنفيذياً أصدره جو بايدن لمعاقبة أفراد وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين في الضفة، وهو ما اعتبره محللون نزعًا لإحدى أدوات الضغط الأمريكية على إسرائيل. هذا التوجه يعكس سياسة أمريكية تركز على إدارة الملف وتفادي الصدام، بدل فرض تغييرات مباشرة على الأرض.

وبحسب صحف أمريكية، ترفض واشنطن إعلان ضم رسمي، لكنها تتسامح مع خطوات إسرائيلية أخرى، ما يتيح لإسرائيل فرض سيادتها تدريجيًا عبر قرارات إدارية وأمنية متراكمة، دون أن تُعلن عن ضم واضح. هذه الاستراتيجية الأميركية تهدف إلى منع انهيار الوضع الأمني والاقتصادي في الضفة الغربية، مع الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية مع إسرائيل.

خاتمة

في المجمل، يُظهر المشهد في الضفة الغربية تباينًا واضحًا بين الموقف الأمريكي المعلن وواقع الإجراءات الإسرائيلية، مما يعكس محدودية قدرة واشنطن على فرض إرادتها بالكامل على تل أبيب. بينما يصر الجانب الأمريكي على منع أي ضم رسمي قد يزعزع الاستقرار الإقليمي، تستمر إسرائيل في تعزيز سيطرتها على الأرض، ما يجعل الضفة الغربية ساحة اختبار مستمر للنفوذ الأمريكي على الشريك الإسرائيلي.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7