مباني الموت تهدد أحياء طرابلس

2026.02.11 - 08:04
Facebook Share
طباعة

 يخيّم شبح المباني الآيلة للسقوط فوق عدد من أحياء طرابلس، حيث يعيش السكان حالة ترقّب يومي وسط مخاوف متزايدة من انهيارات مفاجئة قد تحوّل المنازل إلى ركام في لحظات. من القبة وباب التبانة وجبل محسن إلى الميناء، تتكرر مشاهد التشققات والتصدعات في أبنية قديمة ومتراصة، فيما يتسع القلق مع غياب حلول جذرية تواكب حجم الخطر.

منذ مطلع العام، تصاعدت التحذيرات بشأن واقع السلامة الإنشائية في عدد من الأحياء الشعبية. سكان هذه المناطق يؤكدون أن التصدعات في الجدران والأساسات المهترئة ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال وغياب أعمال الصيانة والترميم، إضافة إلى ضعف البنية التحتية وقدم الأبنية.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن عدداً كبيراً من المباني في أحياء مثل حارة الجديدة، المهاجرين، كواع القبة، طلعة العمري، شارع الريفا، وأجزاء من جبل محسن وباب التبانة، يفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة. كثير من هذه الأبنية متلاصق بشكل شديد، ما يعني أن انهيار مبنى واحد قد يؤدي إلى سلسلة انهيارات متتالية تطال الأبنية المجاورة.

ويؤكد عدد من أبناء هذه المناطق، في أحاديث عامة، أن الجهات المعنية أُبلغت مراراً بوجود تصدعات خطرة، وأن مطالبات السكان بالكشف الهندسي واتخاذ تدابير احترازية لم تلقَ الاستجابة المطلوبة بالسرعة اللازمة. ويعتبر هؤلاء أن ما يحدث اليوم ليس مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لسنوات من الإهمال وغياب التخطيط العمراني المنظم.

الواقع العمراني في طرابلس يعكس تبايناً واضحاً بين أحياء حديثة نسبياً تتمتع بأبنية أكثر متانة، وأحياء أخرى عشوائية تعاني هشاشة بنيوية واضحة. ففي المناطق الفقيرة، غالباً ما شُيّدت الأبنية من دون إشراف هندسي كافٍ أو وفق معايير بناء صارمة، ما جعلها أكثر عرضة للتصدع والانهيار مع مرور الزمن.

وتبرز خطورة إضافية في الأبنية متعددة الطبقات التي تحتضن عدداً كبيراً من العائلات. فمع كل تشقق جديد، تتسع دائرة القلق حول مصير عشرات السكان الذين قد يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، تبدو خيارات الإخلاء محدودة، إذ يفضّل كثيرون البقاء في منازلهم رغم المخاطر، لعدم توفر بدائل سكنية آمنة وميسورة.

المشكلة لا تقتصر على قدم الأبنية فقط، بل تتصل أيضاً بطبيعة المواد المستخدمة في البناء. فعدد من المباني التي شُيّدت في سبعينيات القرن الماضي بُنيت باستخدام الرمل ومواد أقل صلابة من المعايير المعتمدة اليوم، ما يجعلها أكثر هشاشة. ومع مرور السنوات، أدى تسرب المياه والرطوبة إلى تفاقم التشققات، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تتسرّب المياه إلى داخل الجدران والأساسات، فترفع من وزنها وتزيد احتمالات انهيارها.

حتى بعض الأبنية التي أُنشئت في مراحل لاحقة باستخدام “البلوك” والإسمنت، لم تسلم من عوامل التآكل. فتقدم العمر، وضعف الصيانة، وعدم ثبات التربة في بعض المناطق، كلها عوامل أسهمت في إضعاف البنية التحتية لهذه المباني، وجعلتها عرضة للخطر.

السكان يشيرون أيضاً إلى أن التحركات الرسمية غالباً ما تقتصر على حضور عناصر من الأجهزة الأمنية أو الدفاع المدني عند وقوع حادثة أو تصاعد المخاوف، من دون خطة شاملة لمعالجة الأسباب الجذرية. ويطالبون بإجراء مسح هندسي شامل للأحياء الأكثر هشاشة، وتحديد المباني الخطرة، ووضع آلية واضحة للترميم أو الإخلاء المؤقت مع توفير بدائل سكنية تحفظ كرامة العائلات المتضررة.

في المقابل، يرى متابعون أن الأزمة تتجاوز الإطار المحلي، وترتبط بواقع اقتصادي ومالي صعب يحدّ من قدرة البلديات والمؤسسات الرسمية على التدخل السريع. غير أن ذلك لا يلغي الحاجة الملحّة إلى خطة طوارئ واضحة، خصوصاً في ظل ازدياد المؤشرات التي تنذر بإمكانية وقوع كوارث إن لم تُتخذ إجراءات عاجلة.

طرابلس اليوم أمام اختبار حقيقي: إما التحرك الاستباقي لمنع وقوع المأساة، أو انتظار انهيار جديد يعيد فتح ملف الإهمال من زاوية أكثر إيلاماً. وبين الخوف اليومي والأمل بتدخل سريع، تبقى حياة آلاف العائلات معلّقة على جدران متشققة، تنتظر قراراً يحميها قبل أن يتحوّل القلق إلى كارثة فعلية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 10