شهد جنوب لبنان، أمس، تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا نفذته قوات الاحتلال الإسرائيلي، أسفر عن سقوط أربعة شهداء، بينهم طفل، في بلدتي يانوح وعيتا الشعب، بالتزامن مع توغّل بري واختطاف مواطن لبناني من بلدة الهبارية، في خرق جديد لإعلان وقف الأعمال العدائية وانتهاك صارخ للسيادة اللبنانية.
استهداف سيارة مدنية في يانوح
في قضاء صور، استُشهد ثلاثة أشخاص، من بينهم طفل يبلغ من العمر أربع سنوات، جراء استهداف طائرة إسرائيلية مُسيّرة سيارة مدنية في بلدة يانوح. وأفادت مصادر محلية بأن السيارة كانت تقل مدنيين ولم تسجل أي مؤشرات على طابع عسكري للمكان أو الهدف، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف الأهالي من اتساع دائرة الاستهدافات العشوائية.
يقول أحد سكان البلدة، في شهادة لحكي عمومي:
“الطفل كان مع عائلته… لا موقع عسكري ولا أي اشتباك. فجأة سمعنا الانفجار، وتحولت السيارة إلى كتلة نار”.
قنص مباشر في عيتا الشعب
وفي تطور موازٍ، استُشهد المواطن عبدالله ناصر في بلدة عيتا الشعب، قضاء بنت جبيل، بعد تعرضه لقنص مباشر برصاصتين من موقع الراهب الإسرائيلي. ووفق ما أفاد مصدر محلي، شهدت البلدة حالة استنفار غير مسبوقة، مع تحليق مكثف للطائرات المُسيّرة الإسرائيلية وإلقاء أكثر من خمس قنابل صوتية في أحياء متفرقة.
وأضاف أن طائرة مُسيّرة استهدفت شابين بالقنابل الصوتية أثناء وجودهما في الجبّانة، في خطوة وصفتها مصادر محلية بأنها “ترهيبية” وتهدف إلى بث الذعر بين السكان.
كما أقدم أحد جنود الاحتلال على قنص مواطن آخر قرب مقر بلدية عيتا الشعب، على مسافة تقارب الكيلومتر الواحد من موقع الراهب، ما زاد من حالة التوتر والخوف في البلدة.
ويقول أحد أهالي عيتا الشعب:
“التحليق لا يتوقف، والقنابل الصوتية تسقط في الأحياء السكنية. الناس باتت تخشى الخروج من منازلها”.
اختطاف وتوغّل في الهبارية
بالتزامن مع هذه التطورات، شهدت بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا – مرجعيون حادثة توغّل بري خطيرة، حيث تسللت قوة مشاة إسرائيلية راجلة فجر اليوم من جهة موقع رويسات العلم باتجاه تلة سدانة، واخترقت الشوارع الرئيسية للبلدة وصولًا إلى عمق يزيد على أربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وأقدمت القوة على اقتحام منزل رئيس البلدية السابق عطوي عطوي، المسؤول في “الجماعة الإسلامية” في المنطقة، واختطفته من منزله، قبل أن تعمد إلى تقييد زوجته ومصادرة أوراق وأغراض شخصية، بحسب مصادر محلية.
وأثارت الحادثة موجة استنكار واسعة في البلدة والجنوب عمومًا، وسط تساؤلات حول دور القوات الدولية “اليونيفيل” في منع مثل هذه الخروقات.
موقف رسمي لبناني
في رد فعل رسمي، أدان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام حادثة اختطاف عطوي عطوي، واصفًا ما جرى بأنه “اعتداء فاضح على سيادة لبنان، وخرق لإعلان وقف الأعمال العدائية، وانتهاك للقانون الدولي”.
وأعلن سلام تكليف وزير الخارجية “التحرك الفوري ومتابعة القضية مع الأمم المتحدة”، مجددًا مطالبة لبنان بتحرير جميع الأسرى اللبنانيين المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وفي السياق نفسه، نظّمت بلدية الهبارية اجتماعًا مع وفد من قوات “اليونيفيل”، احتجاجًا على تسلل القوة الإسرائيلية إلى عمق البلدة واختطاف رئيس البلدية السابق، مطالبة بتعزيز دور القوات الدولية وحماية المدنيين.
رسائل بالنار
يرى مراقبون أن هذا التصعيد يحمل رسائل سياسية وأمنية واضحة، في ظل توتر إقليمي متصاعد، ومحاولات إسرائيلية لفرض قواعد اشتباك جديدة جنوب لبنان، عبر استهداف المدنيين، وتكثيف الطلعات الجوية، وتنفيذ عمليات توغّل خاطفة.
ويحذر محللون من أن استمرار هذا النهج قد يدفع المنطقة نحو تصعيد أوسع، خاصة مع تكرار الخروقات البرية وسقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.
جنوب مفتوح على الاحتمالات
في ظل هذه التطورات، يعيش أهالي الجنوب اللبناني حالة من القلق والترقّب، بين خوف يومي من الاستهدافات المفاجئة، ومطالب متزايدة للدولة اللبنانية والمجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياتهم في حماية المدنيين ووقف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة.
وبين يانوح وعيتا الشعب والهبارية، تتسع رقعة النار، فيما يبقى الجنوب اللبناني مفتوحًا على سيناريوهات خطرة، ما لم تُكبح جماح التصعيد وتُفرض قواعد تحمي المدنيين من دفع أثمان إضافية في صراع لم يختاروه.