القوات التركية باقية في سوريا رغم التفاهمات

2026.02.10 - 09:15
Facebook Share
طباعة

 في موقف يعكس ثبات السياسة الأمنية التركية حيال الملف السوري، أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، أن بلاده لا تعتزم سحب قواتها المنتشرة في شمالي وشمال شرقي سوريا في الوقت الحالي، على الرغم من الاتفاق الأخير الذي توصلت إليه الحكومة السورية مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وجاءت تصريحات غولر في مقابلة مع صحيفة “حرييت” التركية، نُشرت الاثنين 9 شباط، شدد فيها على أنه “لا يوجد أي جدول زمني أو نية حالية لانسحاب القوات التركية من سوريا”، مشيرًا إلى أن أي تغيير في هذا الملف مرهون بتحقيق الاستقرار الكامل وتوافر معايير أمنية واضحة تضمن عدم عودة التهديدات.


الأمن أولًا
وأوضح وزير الدفاع التركي أن وجود القوات المسلحة التركية في سوريا والعراق يرتبط بشكل مباشر بأمن تركيا القومي واستقرار المنطقة، مؤكدًا أن قرار الانسحاب “يعود لأنقرة وحدها”، ولن يكون نتيجة تفاهمات ثنائية لا تأخذ المخاوف التركية بعين الاعتبار.

وأضاف غولر أن “آلية المتابعة والرقابة التركية ستبقى في المنطقة بكل قدراتها”، في إشارة إلى استمرار الدور العسكري والأمني لتركيا، سواء عبر قواتها المنتشرة على الأرض أو من خلال المراقبة الاستخباراتية والعمليات الاستباقية.

وفيما أشار الوزير التركي إلى عدم وجود مؤشرات حالية على عودة نشاط التنظيمات الإرهابية، استدرك بالقول إن “غياب المؤشرات لا يعني استحالة حدوث ذلك”، معتبرًا أن هذا الواقع يفرض على بلاده الاستمرار في اتخاذ الاحتياطات اللازمة وعدم التسرع في أي قرارات انسحاب.


انتشار عسكري مستمر
وتحتفظ تركيا منذ سنوات بعدد كبير من القوات والقواعد العسكرية في شمالي وشمال شرقي سوريا، في سياق عمليات عسكرية أطلقتها خلال سنوات الحرب، أبرزها “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”، والتي تقول أنقرة إنها تهدف إلى منع تشكّل تهديدات أمنية على حدودها الجنوبية.

ويأتي الموقف التركي الأخير في وقت يشهد فيه شمال شرقي سوريا تحولات سياسية وميدانية لافتة، عقب الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي ينص على وقف إطلاق نار شامل بين الطرفين، والتفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية.


اتفاق دمشق و”قسد”
وبحسب النص المشترك الذي نشره الطرفان في 30 كانون الثاني الماضي، يتضمن الاتفاق انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج الأجهزة الأمنية في المنطقة.

وجاء هذا الاتفاق بعد عملية عسكرية أطلقها الجيش السوري، استعاد خلالها مناطق واسعة في شرقي وشمال شرقي البلاد، ما فرض واقعًا ميدانيًا جديدًا أعاد خلط الأوراق في المنطقة.


تحولات متسارعة في الحسكة
على الأرض، شهدت محافظة الحسكة خلال الأيام الماضية تحولات ميدانية وخدمية متسارعة، عكست بدء التطبيق العملي لبنود الاتفاق.
ودخلت قوات الأمن السوري إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، حيث باشرت تسلّم عدد من المؤسسات الحكومية، في خطوة وُصفت بأنها عودة تدريجية لمؤسسات الدولة إلى المحافظة.

كما بدأت الحكومة السورية إجراءات تسلّم مطار القامشلي الدولي، بالتوازي مع التحضير لعودة العمل في عدد من المعابر الحدودية وحقول النفط التي بقيت لسنوات خارج سيطرة دمشق.


معابر وموارد استراتيجية
ولم تقتصر التحركات على المطار، بل امتدت لتشمل معابر حدودية استراتيجية، أبرزها معبر القامشلي/نصيبين مع الجانب التركي، ومعبر سيمالكا/فيشخابور مع إقليم كردستان العراق، في إطار خطة أوسع لتثبيت نقاط المراقبة الحدودية ورفع العلم السوري، تنفيذًا لبند “وحدة الأراضي السورية” الوارد في الاتفاق.

وفي السياق ذاته، بدأت الحكومة السورية خطوات عملية لتقييم واقع المنشآت النفطية في محافظة الحسكة، بهدف الاطلاع على الجاهزية الفنية لأكبر الحقول النفطية في المنطقة، وعلى رأسها حقول رميلان.

ووصل وفد رسمي ضم قائد الأمن الداخلي في محافظة الحسكة، العميد مروان العلي، ومدير إدارة أمن المطارات والمنافذ العقيد أحمد الأحمد، إلى جانب معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني أمجد نخال، وممثلين فنيين عن الشركة السورية للبترول، في جولة استكشافية للحقول والمنشآت الحيوية.


مشهد إقليمي معقّد
ويرى مراقبون أن تأكيد تركيا على بقاء قواتها في سوريا يعكس قلقًا تركيًا من مآلات الاتفاق بين دمشق و”قسد”، وخشية من أن يؤدي إلى تغييرات أمنية لا تنسجم مع المصالح التركية، خصوصًا في ظل حساسية ملف الحدود والتنظيمات الكردية.

وبينما تمضي الحكومة السورية في تثبيت حضورها المؤسساتي في الحسكة، وتواصل “قسد” تنفيذ بنود الاتفاق، يبقى الموقف التركي عاملًا حاسمًا في تحديد مستقبل التوازنات شمال شرقي سوريا، في مشهد مفتوح على احتمالات متعددة، تتراوح بين التهدئة الحذرة واستمرار التجاذبات السياسية والأمنية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 3