القامشلي… من قاعدة عسكرية إلى بوابة وطنية

2026.02.10 - 09:00
Facebook Share
طباعة

 لطالما شكّل مطار القامشلي الدولي شريان الحياة الأساسي لمحافظة الحسكة ومنطقة الجزيرة السورية عمومًا، ليس فقط بوصفه مرفقًا للنقل الجوي، بل كصلة وصل وحيدة بين أقصى الشمال الشرقي السوري والعاصمة دمشق، ومنها إلى العالم. وعلى مدى عقود، ظل المطار شاهدًا على تحولات سياسية وعسكرية عميقة، انتقل خلالها من رمز تنموي إلى نقطة صراع، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة كعنوان لمرحلة جديدة تسعى إلى استعادة السيادة وتوحيد إدارة الأجواء السورية.


النشأة والموقع الاستراتيجي
يقع مطار القامشلي في الجهة الجنوبية من المدينة، وبدأ تشغيله الفعلي في سبعينيات القرن الماضي، تزامنًا مع توسع النشاط الزراعي والاقتصادي في منطقة تُعد من أغنى مناطق البلاد بالقمح والنفط. ومع تزايد الحاجة إلى ربط الجزيرة السورية بالمراكز الحضرية، خضع المطار لعمليات تطوير وتأهيل متلاحقة، تُوّجت بإعلانه مطارًا دوليًا عام 2003.

ويتمتع المطار بمدرج يبلغ طوله نحو 3600 متر، ما يؤهله لاستقبال مختلف أنواع الطائرات المدنية والعسكرية، إضافة إلى موقعه الحساس بالقرب من الحدود التركية، وهو ما أكسبه أهمية مضاعفة، جعلته لاحقًا في قلب التجاذبات الإقليمية والدولية.


الحرب تغيّر الوظيفة
مع اندلاع الحرب السورية عام 2011، تبدلت وظيفة المطار جذريًا. فبعد فقدان النظام السابق السيطرة على معظم الطرق البرية المؤدية إلى الحسكة، تحوّل مطار القامشلي إلى المنفذ الوحيد لإمداد قواته داخل ما عُرف بـ“المربع الأمني” في القامشلي والحسكة.
يقول أحد سكان المدينة، وهو موظف سابق في المطار، في شهادة لحكي عمومي:

“لم نعد نرى مسافرين مدنيين كما في السابق، كان كل شيء عسكريًا… طائرات شحن، ضباط، وحراسة مشددة. المطار فقد روحه”.


القاعدة الروسية
في أواخر عام 2019، ومع العملية العسكرية التركية “نبع السلام” والانسحاب الأمريكي الجزئي من بعض مناطق الشمال السوري، دخلت القوات الروسية إلى مطار القامشلي، وحولته إلى قاعدة جوية متقدمة.
نُشرت في محيطه منظومات دفاع جوي وطائرات مروحية، واُستخدم كنقطة ارتكاز لتسيير الدوريات الروسية في شرق الفرات، ضمن صراع نفوذ واضح مع الوجود الأمريكي.

خلال تلك الفترة، أصبح المطار رمزًا لتعقيد المشهد السوري: وجود روسي داخله، سيطرة شكلية للنظام السابق، وطوق أمني محكم من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) حوله.


التحولات الأخيرة
شهدت نهاية عام 2024 تحولات مفصلية، أبرزها سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول، وما تلاه من تغييرات ميدانية واسعة. وبفعل هذه التطورات، انتقلت السيطرة الجزئية على المطار إلى “قسد” ضمن ترتيبات أمنية مؤقتة، في وقت بدأ فيه النفوذ الروسي بالانحسار تدريجيًا.

ومع توسع سيطرة الحكومة السورية على محافظتي الرقة وريف دير الزور الشرقي، انسحبت القوات الروسية بشكل كامل من مطار القامشلي باتجاه قاعدة حميميم في الساحل السوري، فاتحة الباب أمام مرحلة جديدة.


العودة إلى الإطار المؤسساتي
بموجب تفاهمات حديثة بين الحكومة السورية و”قسد”، انطلق مسار مؤسساتي لإعادة مطار القامشلي إلى الإدارة المدنية الوطنية.
ووصف رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، عمر الحصري، تسلّم المطار بأنه “خطوة سيادية وتنموية مفصلية”، مؤكدًا أن الهدف هو توحيد إدارة الأجواء السورية وربط الشمال الشرقي بالمنظومة الوطنية للطيران المدني.

وتجسيدًا لهذه التفاهمات، وصل وفد رسمي رفيع المستوى إلى المطار، ضم معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني أمجد نخال، وقائد الأمن الداخلي في الحسكة العميد مروان العلي، لبدء إجراءات التسليم والتشغيل الرسمي.


آمال المدنيين
بالنسبة لأهالي الحسكة والقامشلي، تتجاوز أهمية المطار البعد السيادي. فإعادة تشغيله كمرفق مدني تعني إنهاء سنوات من المعاناة.
تقول طالبة جامعية من القامشلي:

“كنا نسافر أيامًا بالحافلات للوصول إلى دمشق. عودة المطار تعني حياة أسهل، خاصة للطلاب والمرضى”.

ويرى اقتصاديون محليون أن تشغيل المطار سيساهم في تنشيط الحركة التجارية والاستثمارية، ويفتح نافذة حقيقية لكسر العزلة التي فُرضت على الجزيرة السورية لسنوات.

بين الماضي والمستقبل

بين الأمس، حين كان قاعدة عسكرية مغلقة، واليوم، كمرفق وطني يُفترض أن يخدم المدنيين، يقف مطار القامشلي شاهدًا على تحولات كبرى في المشهد السوري. ويبقى الرهان معقودًا على أن تكون عودته إلى العمل المدني مقدمة لاستقرار أوسع، تقلع معه أولى الرحلات حاملة أملًا جديدًا لأهالي الجزيرة السورية.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9