شهدت محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا خلال الأيام الأخيرة تحركات عسكرية واسعة النطاق لقوات التحالف الدولي، تمثلت في نقل عناصر من تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى الأراضي العراقية، إضافة إلى إعادة تموضع وانتشار المعدات العسكرية والعتاد داخل المنطقة الحدودية مع العراق والأردن. واشتملت هذه التحركات على رتل ضخم يضم نحو 80 شاحنة عسكرية ولوجستية و8 مصفحات مدرعة محملة بتجهيزات عسكرية، مصحوبة بإجراءات أمنية مشددة تشمل تحليق طيران ومراقبة على طول المسار لضمان تأمين القافلة ومنع أي خروقات محتملة.
ويأتي هذا النشاط في إطار العمليات المشتركة بين التحالف الدولي والسلطات العراقية لضبط عناصر التنظيم وتأمين الحدود الممتدة بين سوريا والعراق، في خطوة تعتبر جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة فرض السيطرة على مناطق كانت تعاني من نشاط التنظيم خلال السنوات الماضية. وعلى مدار اليومين الماضيين، تم نقل عدد من عناصر التنظيم من الحسكة إلى العراق على متن حافلات مصحوبة بمدرعات، في عملية مكثفة تهدف إلى فصل العناصر الخطرة عن مناطق انتشار المدنيين والمناطق الحساسة، وضمان تحييد أي تهديد محتمل على الحدود السورية–العراقية.
وتعكس هذه التحركات المتزامنة تحولات ميدانية وسياسية متسارعة في المنطقة، فإلى جانب نقل عناصر التنظيم، شرعت قوات التحالف بتنفيذ خطوات عملية للانسحاب التدريجي من بعض قواعدها في سوريا، أبرزها قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري–العراقي–الأردني، وقاعدة الشدادي في ريف الحسكة. وشملت هذه العمليات سحب المعدات والعتاد العسكري، ونقل جزء من العناصر نحو الأراضي الأردنية، في محاولة لإعادة ترتيب خطوط الانتشار وضبط السيطرة على المناطق الحدودية الحساسة.
ويعكس انسحاب التحالف الجزئي هذه التحركات استجابة لعدة عوامل متداخلة، منها التحولات الأمنية في شمال شرقي سوريا بعد استعادة القوات الحكومية لبعض المناطق، والتغيرات السياسية في بغداد ودمشق التي تتطلب إعادة التوازن في إدارة الحدود المشتركة. كما تأتي هذه التحركات في سياق الاستعداد لأي تصعيد محتمل من بقايا تنظيم الدولة، الذي ما زال يحتفظ بقدرة على شن هجمات محدودة رغم خسارته للمناطق التي كان يسيطر عليها سابقاً.
ويبرز من هذه العمليات أن التحالف لا يركز فقط على نقل عناصر التنظيم أو إعادة تمركز قواته، بل يتخذ إجراءات لوجستية شاملة تشمل تأمين القوافل العسكرية، وحماية المعدات والعتاد من أي استهداف محتمل، وضمان مراقبة الطيران والتحركات البرية على طول الحدود، وهو ما يعكس حساسية الوضع الأمني والتهديد المستمر في تلك المنطقة.
من جهة أخرى، يشير المحللون العسكريون إلى أن نقل عناصر التنظيم إلى العراق يندرج ضمن استراتيجية طويلة الأمد، تهدف إلى تجميع هذه العناصر في مناطق مراقبة بعيداً عن السكان المدنيين، مع تمكين السلطات العراقية من معالجة الملفات الأمنية ضمن قواعد محكمة، ما يقلل من المخاطر الأمنية في مناطق سوريا الشمالية الشرقية التي شهدت نشاطاً مكثفاً لعناصر التنظيم خلال السنوات الماضية.
وتتزامن هذه التحركات مع جهود التحالف لإعادة هيكلة انتشار قواته بشكل يقلل من التعرض للمخاطر المباشرة، ويضمن قدرة أكبر على الرد السريع على أي تهديد إرهابي محتمل، خاصة في مناطق مثل التنف والشدادي التي تمثل عقداً استراتيجية لتأمين الحدود بين سوريا والعراق والأردن، وممرات حيوية لمنع تهريب الأسلحة أو تحرك خلايا التنظيم.
ومع استمرار نقل عناصر التنظيم، يبقى السؤال مطروحاً حول الوجهة النهائية لهذه العناصر والإجراءات الأمنية المتبعة هناك، خصوصاً في ظل عدم الكشف عن أعداد دقيقة أو تفاصيل دقيقة حول طبيعة مهامهم داخل العراق. كما يظل الرصد والتحليل المستمر للأنشطة العسكرية للتحالف ضرورة لفهم حجم التهديدات التي قد يواجهها المدنيون أو القوات الأمنية في المناطق الحدودية.
وتشير التحليلات أيضاً إلى أن هذه التحركات العسكرية تعكس مرحلة جديدة في سياسة التحالف الدولي، بعد سنوات من العمليات المكثفة ضد التنظيم، حيث أصبح التركيز اليوم منصباً على إدارة البقايا، إعادة انتشار القوات، وتأمين الحدود بطريقة تقلل المخاطر على المدنيين وتعزز قدرة السلطات المحلية على السيطرة الأمنية.
في المقابل، يبقى النشاط الأمني والتحركات العسكرية الدولية عرضة لمراقبة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، خصوصاً فيما يتعلق بحقوق المحتجزين الذين يتم نقلهم أو معالجة أوضاعهم، والطرق التي يتم بها ضمان عدم حدوث انتهاكات خلال عمليات النقل، إضافة إلى تأثير هذه التحركات على الاستقرار السياسي والأمني في العراق وسوريا على المدى الطويل.