منذ الإعلان عن تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، بدا المشهد – نظرياً على الأقل – وكأنه يؤشر إلى بداية مرحلة انتقالية جديدة، تُطوى فيها صفحة الحرب، ويُفتح الباب أمام ترتيبات مدنية تعيد تنظيم الحياة اليومية في القطاع المنكوب. غير أن التطورات اللاحقة سرعان ما كشفت عن مسار مغاير، قوامه تعطيل الإدارة بدل تمكينها، وتأجيل الاستحقاقات بدل تنفيذها، في إطار مقاربة تُبقي غزة عالقة في منطقة رمادية بلا أفق سياسي واضح.
منع اللجنة من دخول قطاع غزة لم يُقرأ، في هذا السياق، كإجراء مؤقت أو نتيجة طارئة لظروف أمنية استثنائية، بل كحلقة ضمن إستراتيجية إسرائيلية أوسع، تهدف إلى إبقاء ملف غزة مفتوحاً بلا حسم. هذا التقدير شكّل إحدى النقاط المركزية في نقاش حلقة برنامج “مسار الأحداث”، حيث طُرحت فرضية انتقال إسرائيل من “إدارة الحرب” إلى “إدارة الفراغ”.
تعطيل مقصود لا فراغ عفوي
الخبير في الشؤون الإسرائيلية الدكتور مهند مصطفى قدّم قراءة تعتبر أن هذا السلوك الإسرائيلي هو خيار واعٍ، وليس نتاج عجز أو ارتباك. فإسرائيل – بحسب تحليله – لا ترغب في إغلاق ملف غزة، لأن الإغلاق يعني الدخول في مسار سياسي وإداري واضح، يقيّد قدرتها على التدخل العسكري المستمر، ويُسقط الذرائع التي تُستخدم لتبرير القصف والتحكم الأمني المفتوح.
من هذا المنظور، فإن دخول لجنة مدنية فلسطينية – حتى لو كانت تكنوقراطية وغير فصائلية – يُعد تهديداً مباشراً للمنطق الإسرائيلي السائد. فوجود عنوان إداري فلسطيني بديل عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يعيد تعريف المسؤولية عن القطاع، ويُضعف قدرة إسرائيل على تبرير استهداف البنية المدنية أو فرض إجراءات استثنائية بحجة “غياب الشريك”.
الإجراءات كأداة تعطيل
ويتقاطع هذا التحليل مع ما طرحه أستاذ العلاقات الدولية الدكتور زياد ماجد، الذي رأى أن إسرائيل دأبت تاريخياً على استخدام التفاصيل الإجرائية كأداة تعطيل فعالة. فبدلاً من رفض الاستحقاقات السياسية أو الإدارية بشكل مباشر، تُغرقها في شبكة من الشروط الأمنية، والمتطلبات التقنية، والجداول الزمنية المفتوحة، بما يؤدي عملياً إلى تفريغها من مضمونها.
وبحسب ماجد، فإن هذا النمط لا يستهدف اللجنة الوطنية وحدها، بل يشمل المرحلة الثانية من أي اتفاق محتمل، إذ يجري ربط إعادة الإعمار، وتوسيع إدخال المساعدات، وحتى الانسحاب الجزئي، بشروط مثل نزع السلاح وتحقيق “الاستقرار الأمني”، وهي شروط فضفاضة تُستخدم لتبرير التأجيل المستمر.
الغطاء الدولي والمماطلة
في المقابل، قدّم الباحث الأميركي في شؤون الأمن القومي الدكتور جيمس روبنز قراءة مختلفة في الشكل، لكنها تلتقي في النتيجة. فقد أشار إلى أن الخطط الأميركية وقرارات مجلس الأمن تنص نظرياً على انسحاب إسرائيلي مشروط بتشكيل قوة استقرار دولية، وهي قوة لم تُنشأ بعد ولم تتضح معالمها.
هذا الغياب، وفق روبنز، يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمماطلة، إذ يمكنها الادعاء بأنها غير ملزمة بالانسحاب أو بتمكين إدارة مدنية ما دامت الشروط الأمنية الدولية “غير ناضجة”، وهكذا يتحول الشرط الدولي ذاته إلى أداة تعطيل غير مباشرة.
السيطرة غير المباشرة
غير أن النقاش لم يتوقف عند حدود اللجنة أو الترتيبات الرسمية، بل امتد إلى ما هو أخطر: نمط السيطرة غير المباشرة. فبحسب مصطفى، تعمل إسرائيل على خلق بنى موازية تتجاوز أي ترتيب فلسطيني جامع، سواء عبر التحكم الصارم في المعابر، أو عبر تشجيع مجموعات محلية مسلحة للقيام بأدوار أمنية وإدارية محددة.
هذه المجموعات – كما يرى محللون – ليست أداة مؤقتة، بل جزء من تصور طويل الأمد لإدارة غزة كمساحة غير مستقرة. فهي تتيح لإسرائيل تنفيذ عمليات أمنية دون الاحتكاك المباشر، وتُبقي الداخل الفلسطيني في حالة توتر وفوضى قابلة للاشتعال في أي لحظة.
نحو “ضفة أخرى”؟
ويرى مصطفى أن هذا النموذج يعيد إنتاج تجربة الضفة الغربية، حيث توجد سلطة محدودة الصلاحيات، مقابل سيطرة إسرائيلية فعلية على الأرض، والمعابر، والقرار الأمني. وفي حال استمر هذا المسار، فإن النتيجة المتوقعة هي تحويل غزة إلى “ضفة أخرى”، بلا سيادة حقيقية ولا قدرة مستقلة على إدارة شؤونها.
الشهادة الميدانية: واقع بلا تغيير
من داخل القطاع، ينقل الصحفي الفلسطيني أحمد الطناني صورة ميدانية تعكس فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع الإنساني. فالغزيون، بحسب وصفه، لم يلمسوا أي تغيير حقيقي في حياتهم اليومية، رغم الحديث المتكرر عن لجان ومجالس وخطط انتقالية.
الخيام ما تزال قائمة، والبنية التحتية مدمرة، والحصار يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة. وحتى فتح معبر رفح، الذي جرى الترويج له كإنجاز، جاء بصورة رمزية لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات، خصوصاً في ظل آلاف الحالات الطبية العالقة.
هذا الواقع، كما يؤكد الطناني، يفاقم حالة الشك الشعبي تجاه أي ترتيبات سياسية لا تنعكس مباشرة على الأرض. فـ”إدارة الفراغ”، مهما تنوعت عناوينها، لا تعني للناس سوى استمرار المعاناة، لكن بصيغة أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً.