السندات الأمريكية: سلاح اقتصادي صامت

2026.02.09 - 10:01
Facebook Share
طباعة

 كشف الخلاف الأخير بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وعدد من حلفائه الأوروبيين، على خلفية جزيرة غرينلاند والتهديد بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية كبرى، عن حساسية شديدة داخل البيت الأبيض تجاه سوق السندات الأمريكية، باعتبارها أحد أعمدة الاستقرار المالي للولايات المتحدة.

فبعد تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية على دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، تراجعت إدارته سريعًا عن هذه الخطوة، عقب هبوط حاد في مؤشرات بورصة وول ستريت، حيث فقدت الأسهم الأمريكية نحو تريليون دولار من قيمتها في يوم واحد، بحسب صحيفة فايننشال تايمز، بالتزامن مع تصاعد دعوات أوروبية لبيع سندات الخزانة الأمريكية.


خطوة دنماركية صغيرة.. لكنها لافتة
في هذا السياق، أعلن صندوق معاشات التقاعد في الدنمارك بيع نحو 100 مليون دولار من سندات الخزانة الأمريكية. ورغم محدودية الرقم قياسًا بحجم السوق، فإن الخطوة أثارت قلقًا واضحًا في واشنطن، لأنها تفتح الباب أمام استخدام السندات كأداة ضغط سياسية واقتصادية.

وسارع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى التقليل من أهمية هذه الخطوة، معتبرًا أن الاستثمارات الدنماركية "غير مؤثرة"، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن الولايات المتحدة ما زالت تحظى بطلب قوي على سندات الخزانة.

غير أن الرئيس ترمب نفسه لم يُخفِ انزعاجه، محذرًا الحلفاء الأوروبيين من مغبة بيع السندات، ومتوعدًا بـ"انتقام قوي"، وفق ما نقلته وكالة بلومبيرغ، في إشارة واضحة إلى حساسية هذا الملف بالنسبة للإدارة الأمريكية.


دين ضخم يقيّد القرار السياسي
تعود هذه الحساسية إلى الحجم الهائل للدين العام الأمريكي، الذي يبلغ نحو 38.5 تريليون دولار، وفق وزارة الخزانة الأمريكية. وتعتمد الحكومة الأمريكية على إصدار سندات الخزانة لتمويل هذا الدين، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار الفائدة عبئًا مباشرًا على الموازنة العامة.

وفي المقابل، تمتلك أوروبا نحو 3.6 تريليونات دولار من سندات الخزانة الأمريكية، لتكون أكبر مالك خارجي لها، تليها اليابان ثم الصين. كما تمتلك الدول الأوروبية، بما فيها الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وسويسرا والنرويج، ما يقارب 12.6 تريليون دولار من الأصول الأمريكية، تشمل السندات والأسهم والعقارات، وفق فايننشال تايمز.

هذا التشابك المالي العميق يفرض على أوروبا هامش مناورة محدودًا، إذ إن أي تحرك غير محسوب قد يضر باقتصاداتها قبل أن يضغط على واشنطن.


لماذا تتصرف أوروبا بحذر؟
يؤكد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن المخاطر المرتبطة بالدين الأمريكي لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تمتد إلى الدول الأوروبية المرتبطة بالنظام المالي الأمريكي. ويشير إلى أن أي بيع واسع وسريع لسندات الخزانة سيؤدي إلى انخفاض قيمتها، وبالتالي تكبد البنوك وصناديق التقاعد الأوروبية خسائر كبيرة.

كما أن معظم هذه السندات لا تمتلكها الحكومات الأوروبية مباشرة، بل تحتفظ بها مؤسسات مالية مستقلة مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، ما يحد من قدرة الحكومات على توجيهها سياسيًا.

ويضيف الهاشمي أن التحول الجماعي من الدولار إلى اليورو سيؤدي إلى ارتفاع كبير في قيمة العملة الأوروبية، ما يضر بالصادرات الأوروبية ويقلل من قدرتها التنافسية عالميًا.


النفوذ الحقيقي: وقف الشراء لا البيع
ويرى اقتصاديان أوروبيان، هما بولا سوباتشي وبول فوان دين نورد، أن النفوذ الحقيقي لأوروبا لا يكمن في بيع ما تملكه من سندات أمريكية، بل في وقف تراكم ديون أمريكية جديدة عبر تقليص الطلب المستقبلي عليها.

ويشير الكاتبان إلى أن اعتماد الولايات المتحدة المستمر على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية يمنح حائزي السندات أهمية استراتيجية، لكن جاذبية هذه السندات قد تتراجع مع الوقت إذا تآكلت عوامل الأمان والعائد والسيولة.


النموذج الصيني: الخروج البطيء
تقدم الصين نموذجًا مختلفًا في التعامل مع السندات الأمريكية، إذ خفّضت حيازتها منها تدريجيًا من 1.2 تريليون دولار عام 2015 إلى نحو 700 مليار دولار حاليًا. وحرصت بكين على عدم استخدام السندات كسلاح مباشر، إدراكًا منها أن ذلك قد يزعزع الاستقرار المالي العالمي ويضر بمصالحها.


عجز الموازنة.. القلق الأكبر
يرتبط مستقبل سوق السندات الأمريكية بالعجز المستمر في الموازنة الفدرالية، والذي بلغ 1.775 تريليون دولار في السنة المالية 2025. كما وصلت فوائد الدين العام إلى مستوى قياسي عند 1.22 تريليون دولار.

ويحذر خبراء من أن أي ارتفاع كبير في أسعار الفائدة سيزيد تكلفة القروض العقارية وتمويل الشركات، ويقلص الإنفاق الحكومي على الخدمات، ويؤجج الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة.


تقوم الثقة العالمية في سندات الخزانة الأمريكية على افتراض قدرة واشنطن على إدارة النظام المالي العالمي. لكن أي اهتزاز في هذه الثقة قد لا يهدد الاقتصاد الأمريكي فحسب، بل يطلق موجة اضطرابات مالية عالمية، تطال الحلفاء قبل الخصوم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 6