تشهد الساحة السياسية في إسرائيل تصعيدًا غير مسبوق في حدة الخطاب والاتهامات المتبادلة، مع احتدام الصراع حول المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، الحدث الذي هزّ أسس المنظومة الأمنية والعسكرية والسياسية في البلاد. ومع استمرار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، رغم الإعلان عن وقف حرب الإبادة، تتكرس داخل إسرائيل ما يمكن وصفه بـ«معركة السرديات»، حيث يسعى كل طرف إلى فرض روايته الخاصة عن أسباب الفشل ومن يتحمل تبعاته.
وفي أحدث فصول هذه المواجهة، شنّ وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت هجومًا مباشرًا وغير مسبوق على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، متهمًا إياه بالكذب وتزوير الوقائع والتنصل من المسؤولية التاريخية عن الهجوم الذي نفذته فصائل المقاومة الفلسطينية، والذي يُعد، وفق تقديرات إسرائيلية واسعة، فشلًا استخباراتيًا وعسكريًا وسياسيًا غير مسبوق.
شرارة المواجهة
اندلع هذا السجال عقب نشر نتنياهو وثيقة من 55 صفحة، تتضمن ردوده على استفسارات مراقب الدولة متنياهو إنغلمان بشأن أحداث 7 أكتوبر وما سبقها من سياسات وقرارات. وأوضح نتنياهو أنه قدّم هذه الردود في نهاية عام 2025، قبل أن يقرر نشر مقتطفات منها للرأي العام.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، حاول نتنياهو من خلال الوثيقة إعادة توجيه أصابع الاتهام نحو قيادة الجيش والحكومات السابقة، ملمحًا إلى أن مسؤولين أمنيين وسياسيين قللوا من خطر حركة حماس، أو عارضوا اتخاذ خطوات عسكرية حاسمة ضدها. كما سعى إلى تقديم نفسه باعتباره الصوت الأكثر تشددًا داخل الحكومة، مدعيًا أنه طالب باغتيال قادة الحركة والاستعداد لخيارات عسكرية أوسع في غزة.
رد غالانت: اتهام مباشر بالكذب
لم يتأخر رد يوآف غالانت، الذي أُقيل من منصبه أواخر عام 2024، إذ وصف في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية تصريحات نتنياهو بأنها «كذب صريح»، قائلًا إن رئيس الحكومة «اختار طعن قادة الجيش في ظهورهم بينما كان الجنود يقاتلون ويموتون».
واعتبر غالانت أن توقيت نشر الوثيقة ليس بريئًا، بل يأتي في إطار محاولة واضحة لتحميل المسؤولية للآخرين، والتحريض على قيادات المؤسسة الأمنية، بما في ذلك الجيش وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، بهدف حماية الموقع السياسي لنتنياهو.
وخلافًا لرواية رئيس الحكومة، كشف غالانت أن نتنياهو لم يكن مؤيدًا لاغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، معتبرًا أن الخطاب المتشدد الذي يروّج له نتنياهو لا يعكس بالضرورة مواقفه الحقيقية داخل غرف صنع القرار.
الأموال وحماس… نقطة خلاف مركزية
ومن أبرز النقاط التي فندها غالانت، سياسة نتنياهو تجاه حركة حماس، متهمًا إياه بتبني نهج يقوم على تمرير الأموال إلى القطاع بذريعة أن السلطة الفلسطينية ترفض تمويل غزة. واعتبر غالانت أن هذه السياسة أسهمت بشكل مباشر في تعزيز قدرات الحركة، بدل إضعافها أو ردعها، ما شكّل أحد عوامل الانفجار لاحقًا.
رفح والذخيرة… روايتان متناقضتان
وفي ملف رفح، نفى غالانت ادعاء نتنياهو بأن تأخير دخول الجيش الإسرائيلي إلى المدينة في عام 2024 جاء بسبب تردد قيادة الجيش. وأوضح أن السبب الحقيقي كان لوجستيًا، ويتمثل في نقص الإمدادات بعد تخصيص جزء كبير من الذخيرة تحسبًا لمواجهة محتملة على الجبهة الشمالية.
كما رفض غالانت رواية نتنياهو بشأن تحميل إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن مسؤولية مقتل جنود إسرائيليين بسبب «حظر» على الذخيرة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لم تمنع الإمدادات، وإن كانت قد فرضت قيودًا إجرائية.
لماذا الآن؟
يأتي خروج غالانت عن صمته في توقيت بالغ الحساسية، مع اقتراب الانتخابات التشريعية، وتصاعد الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي. ويرى مراقبون أن غالانت يسعى إلى تفكيك الرواية التي يحاول نتنياهو ترسيخها قبل الدخول في المعركة الانتخابية، خاصة في ظل تراجع شعبية رئيس الحكومة، واتهامه بالفساد، وصدور أوامر اعتقال بحقه وبحق غالانت من المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
وتعزز هذا المسار بانضمام زعيم المعارضة يائير لبيد إلى الهجوم، معتبرًا وثيقة نتنياهو محاولة فجة لمحو مسؤوليته عن الإخفاق، ومؤكدًا أن التحذيرات من انفجار أمني واسع كانت معروفة قبل أشهر من 7 أكتوبر.
صراع يتجاوز السياسة
في المحصلة، لا تبدو هذه المواجهة مجرد خلاف سياسي عابر، بل صراعًا عميقًا على الذاكرة والشرعية والرواية التاريخية لأخطر حدث شهدته إسرائيل منذ عقود. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يُتوقع أن تتصاعد «حرب السرديات»، كاشفة مزيدًا من الخفايا، ومحددة ملامح مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز: من ينجح في تحميل الآخر مسؤولية الانهيار؟