120 شهيدًا من عائلة واحدة بغزة

2026.02.08 - 04:06
Facebook Share
طباعة

 منذ أكثر من عامين، يعيش أهالي المفقودين من عائلتي سالم والشوا في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة، على إيقاع انتظار ثقيل، لا يشبه أي انتظار آخر. انتظار لا ينتهي إلا بإخراج جثامين أحبّتهم من تحت ركام منزل دمّره القصف الإسرائيلي، ودفنهم بكرامة، بعد أن غُيّبوا قسرًا في واحدة من أبشع المجازر التي شهدها الحي خلال الحرب على غزة.

وسط ركام منزل مكوّن من أربعة طوابق، وقف صاحب البيت يراقب فرق الإنقاذ وهي تحاول، بإمكانات محدودة، إزالة الحجارة المتراكمة منذ ديسمبر/كانون الأول 2023. كل حجر يُرفع، يحمل معه أملًا مؤلمًا، وخوفًا مضاعفًا من لحظة التعرف على بقايا جثمان.

منزل تحوّل إلى مقبرة

يقول صاحب المنزل إن أكثر من 120 شخصًا كانوا يقطنون في هذا البيت لحظة القصف، بينهم أولاده وبناته، وإخوته وزوجاتهم، إضافة إلى أقارب لجؤوا إلى المنزل هربًا من القصف الذي طال مناطقهم. كانوا يعتقدون أن الاجتماع في مكان واحد قد يمنحهم شيئًا من الأمان، لكن القصف الإسرائيلي حوّل المنزل إلى مقبرة جماعية.

“قُصف البيت بشكل مفاجئ وغادر”، يقول الرجل في حديثه، موضحًا أن معظم من كانوا في الداخل استشهدوا في لحظات، فيما بقيت جثامين العشرات تحت الأنقاض، دون قدرة على الوصول إليها بسبب حجم الدمار الهائل وانعدام المعدات اللازمة.

ويؤكد أنه جرى خلال الأشهر الماضية استخراج عشرات الشهداء من تحت الركام، لكن ما لا يقل عن 54 جثمانًا لا تزال مفقودة، عالقة تحت طبقات الخرسانة والحديد.

“قلبي محروق على أولادي”

منذ وقوع المجزرة، لم يغادر صاحب المنزل المكان. ينام بالقرب من أنقاض بيته، وكأن وجوده هناك يربطه بأبنائه الذين لم يتمكن بعد من وداعهم الأخير.

“منذ سنتين وشهر ونصف وأنا أنتظر هذه اللحظة”، يقول بصوت مثقل بالحزن، مضيفًا: “قلبي محروق على أولادي… لا أريد شيئًا سوى أن أدفنهم، حتى أرتاح”.

هذا الانتظار الطويل حوّل حياته إلى سلسلة من الأيام المتشابهة، لا يقطعها سوى أخبار عن بدء عمليات بحث جديدة، أو توقفها بسبب نقص الوقود والمعدات.

مجزرة بعد الفجر

أحد الشهود الذين كانوا حاضرين أثناء عمليات البحث، قال إن المجزرة وقعت بعد فجر أحد أيام ديسمبر 2023، حين استهدف القصف الإسرائيلي المنزل بشكل مباشر. ويضيف أن حجم الدمار كان “غير مسبوق”، لدرجة أن معالم البيت اختفت بالكامل، وتحول إلى كتل متداخلة من الركام.

المشاهد التي بثتها قناة الجزيرة مباشر أظهرت دمارًا واسعًا في المكان، فيما بدت فرق الإنقاذ عاجزة أمام ضخامة المهمة، تعمل بأدوات بدائية، وتحاول تحديد أماكن محتملة لوجود الجثامين، اعتمادًا على شهادات الناجين وما تبقى من ذاكرة المكان.

وجع يتكرر في كل غزة

قصة عائلتي سالم والشوا ليست استثناءً في قطاع غزة، بل تمثل نموذجًا مأساويًا لآلاف العائلات التي لا تزال تنتظر استخراج جثامين أحبائها من تحت الأنقاض.

ووفق إحصائيات رسمية وأممية، فإن 77% من منازل قطاع غزة دُمّرت كليًا أو جزئيًا، أي ما يعادل نحو 436 ألف منزل، خلّفت وراءها ما يقارب 50 مليون طن من الركام.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن إزالة هذا الركام بالكامل، والبحث عن الرفات العالقة تحته، قد يستغرق ما بين 15 و20 عامًا، في ظل الإمكانات الحالية، ما يعني أن معاناة آلاف العائلات مرشحة للاستمرار لسنوات طويلة.

دفن الجثامين… حق إنساني مؤجل

بالنسبة لأهالي المفقودين، لا يتعلق الأمر فقط بالحزن، بل بحق إنساني أساسي: دفن الموتى بكرامة. فعدم القدرة على الوصول إلى الجثامين يترك الجرح مفتوحًا، ويمنع العائلات من إغلاق فصل الألم، أو بدء رحلة التعافي.

يقول أحد أقارب العائلة: “لا نطلب معجزة، فقط نريد أن نعرف أين هم، وأن نودعهم كما يليق بالبشر”.

في غزة، حيث تتراكم الأنقاض فوق البيوت، تتراكم أيضًا قصص الفقد والانتظار. وتبقى عائلة سالم والشوا شاهدة على وجع لا يُقاس بالأرقام، بل بالسنوات التي تمرّ ثقيلة، وبالقلوب التي تحترق كلما رُفع حجر، ولم يظهر تحته سوى المزيد من الصمت.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 3