يشهد لبنان في الربع الأول من عام 2026 تحولات كبيرة تعيد رسم موقعه الجيوسياسي ودور مؤسساته الأمنية، لا سيما المؤسسة العسكرية، في ظل مشهد إقليمي مضطرب زيارة قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، إلى الولايات المتحدة الأميركية في مطلع شباط الحالي، تمثل حدثاً محورياً يتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، ليمس العقيدة الأمنية اللبنانية ومستقبل التوازنات الداخلية والإقليمية هذه الزيارة تتزامن مع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وسقوط نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا، ما خلق واقعاً أمنياً جديداً على الحدود الشرقية.
الزيارة حملت ملفات متعددة، أبرزها خطة "درع الوطن" لنزع السلاح، والتجاذبات الدولية حول "آلية الميكانيزم"، ومؤتمر باريس المرتقب، إضافة إلى التحديات على الحدود السورية تميزت الرحلة بالجدية والالتزام العسكري، رغم الرسائل الدبلوماسية الصارمة التي سبقت جدول الأعمال، بما فيها الإلغاء المفاجئ للزيارة في تشرين الثاني 2025، والذي اعتُبر تحذيراً سياسياً للسلطة اللبنانية إعادة جدولة الزيارة ما بين 3 و5 شباط 2026 عكست نجاح قنوات الاتصال الخلفية وحرص واشنطن على الحفاظ على دور الجيش اللبناني كضامن للاستقرار.
تضمن جدول الزيارة لقاءات شاملة مع المثلث الاستراتيجي للقرار الأميركي: البنتاغون، وزارة الخارجية والبيت الأبيض، والكونغرس. في البنتاغون، جرى التركيز على الخريطة العسكرية والقدرات العملياتية، بينما ناقش مساعدو وزير الدفاع وقيادات الأركان العليا سبل مواءمة الدعم الأميركي مع العقيدة القتالية الجديدة للجيش، مركّزة على حماية الحدود ومكافحة التمرد. على المستوى السياسي، قدم مستشارو البيت الأبيض والكونغرس شروطاً واضحة لربط الدعم بالمكاسب الميدانية، خصوصاً في ملف سلاح حزب الله، بينما أبدى النواب والمشرّعون رغبتهم بضمان عدم وصول المعدات الأميركية إلى الجماعات المسلحة.
خطة "درع الوطن" تمثل إطاراً استراتيجياً لبسط سيادة الدولة ونزع السلاح غير الشرعي، وتتألف من خمس مراحل تدريجية المرحلة الأولى شملت جنوب نهر الليطاني، حيث تمكن الجيش من بسط سيطرته العملياتية على أكثر من 85% من المنطقة، وتفكيك منشآت عسكرية ومصادرة مخازن أسلحة وأنفاق استخدمها حزب الله المرحلة الثانية، الممتدة من شمال الليطاني إلى نهر الأولي، تمثل التحدي الأكبر بسبب العمق الاستراتيجي والدعم الديموغرافي للمقاومة، ما أدى إلى تجميدها عملياً رغم الضغط الدولي لربط المساعدات المالية ببدء تنفيذها.
المراحل اللاحقة تشمل بيروت وضواحيها الجنوبية والبقاع والشمال، وتظل على الورق وسيلة دبلوماسية لتأكيد نية الدولة في بسط سيادتها الشاملة. خلال زيارته، التقى هيكل كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين الأميركيين، وأشاد بالدعم المستمر لتعزيز قدرات الجيش، مؤكدًا أهمية الاستمرار في تطوير التعاون العسكري وضمان الأمن والاستقرار في لبنان وسلامة أراضيه، في ظل حساسية الوضع الداخلي. كما التقى الجالية اللبنانية في واشنطن، مشدداً على دور المغتربين في دعم مسيرة تعافي البلاد.
الزيارة تجسد رغبة لبنان في تعزيز دوره الإقليمي والحفاظ على استقلالية قراره العسكري، مع الالتزام بالقوانين الدولية وفرض الاستقرار، في مواجهة تحديات داخلية وخارجية تتطلب تكاتف جميع الأطراف الوطنية والدولية لضمان مستقبل آمن ومستقر.