لماذا تثير فضيحة إبستين اهتمام العالم العربي؟

2026.02.05 - 09:40
Facebook Share
طباعة

لم تعد الفضائح الكبرى مجرد انحرافات فردية، إذ تحولت في عالم اليوم إلى نوافذ كاشفة لبنى عميقة تُدار فيها السياسة والاقتصاد وأدوات النفوذ بعيدًا عن الأضواء تسريبات جيفري إبستين لا يمكن قراءتها كقضية جنائية معزولة، ولا كحكاية سقوط شخص نافذ فقط، إنما كمرآة لعالم تتشابك فيه شبكات المال والسلطة والاستخبارات، وتُصاغ فيه العلاقات الدولية عبر أدوات متعددة، من بينها الابتزاز والقولبة الأيديولوجية.
تكتسب هذه التسريبات أهمية خاصة بالنسبة للعالم العربي، ليس بسبب ورود أسماء وشخصيات على تماس مباشر أو غير مباشر مع قضاياه فحسب، وإنما لأنها تكشف جانبًا من آليات إدارة الملفات الحساسة في المنطقة، وكيف تتحول الفضائح الأخلاقية إلى أدوات ضغط سياسي، وإلى عناصر مؤثرة في صناعة القرار، أو في إعادة ترتيب موازين القوى. من هنا، يصبح السؤال عن أثر تسريبات إبستين على العالم العربي سؤالًا سياسيًا بامتياز، يتجاوز الإثارة الإعلامية نحو تفكيك الظاهرة ودلالاتها.
فضيحة عالمية في لحظة توتر دولي:
في خضم أحداث جسام على المستوى العالمي، من بينها نذر اندلاع حرب أمريكية – إيرانية محتملة، استفاق العالم على تسريبات صادرة عن وزارة العدل الأمريكية، كشفت عن فضائح كان يديرها ويدبرها جيفري إبستين. ووفق صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 3 فبراير/شباط، استطاع إبستين جمع نخبة واشنطن من أصحاب القرار السياسي، ونخب وول ستريت وهوليود، إضافة إلى شخصيات عالمية نافذة، وتوظيف هذه الشبكات لخدمة مصالحه.
الاهتمام الواسع الذي رافق هذه التسريبات يعكس طبيعتها العابرة للحدود، ويكشف حجم الانزياح الذي أصاب عالم الأعمال والعلاقات العامة.
«إبستين غيت»: أربع حلقات مترابطة
يمكن اختزال فضيحة إبستين في أربع حلقات رئيسية:
الحلقة الأولى: العلاقات العامة والوساطة
اضطلع إبستين بدور الوسيط في شبكات العلاقات العامة والصفقات التجارية، مقابل أتعاب وتسهيلات وتفضيلات في عالم المال والسياسة.
الحلقة الثانية: جزيرة ليتل جيمس
تجري أحداث هذه الحلقة في جزيرة ليتل جيمس، المعروفة إعلاميًا بـ«جزيرة الشيطان»، حيث كان إبستين يستضيف ما يُوصف بـ«النخبة المختارة» في حفلات ماجنة، كان محورها استغلال فتيات قاصرات، مصحوبًا بأشكال متعددة من المجون.
الحلقة الثالثة: الاستخبار بالمناولة
ما كان يجري في الجزيرة لم يبقَ في نطاق السرية، إذ جرى توثيق مرتاديها عبر التصوير، لتتحول المادة لاحقًا إلى أدوات ضغط وابتزاز، قُدمت لأجهزة رسمية في دول ارتبط بها إبستين ولم تُخفِ بعض الأقلام أن هذه المواد آلت إلى أجهزة استخباراتية، من بينها الموساد.
الحلقة الرابعة: القولبة الأيديولوجية
نظر مرتادو الجزيرة إلى أنفسهم بوصفهم نخبة كونية تحمل مصير العالم، ومن فصيلة «الإنسان الأسمى»، القادر عبر التقنية والتشبيك على معالجة أزمات الكرة الأرضية، وفي مقدمتها أزمة الشرق الأوسط. لذلك ضمت قائمة الضيوف شخصيات فاعلة في الدبلوماسية الدولية، من العالم العربي وإسرائيل، إضافة إلى مسؤولين أمريكيين وأوروبيين معنيين بالملف.
تداخل المال والسياسة والجنس والاستخبارات:
هذه الحلقات الأربع ليست منفصلة عن بعضها. فالعلاقات والصفقات قد تقود إلى الجزيرة، وما يجري في الجزيرة قد يتحول إلى مادة استخباراتية، لتصب جميعها في إطار القولبة الأيديولوجية. وقد تبقى بعض الشخصيات ضمن الحلقة الأولى عبر الوساطات والمعاملات، من دون الانتقال إلى الجزيرة المعروفة.
تكمن خطورة هذه الفضيحة في تشابهها مع تسريبات ويكيليكس وأوراق بنما، مع مستوى أعلى من التعقيد، لأنها تجمع المال بالسياسة والجنس والاستخبارات والأيديولوجيا. وبهذا المعنى، أصبح الزيغ الأخلاقي، من فساد مالي وتبييض أموال وانحرافات جنسية، أحد روافع السياسة والاقتصاد والأمن.
بين النقد المشروع والتجني الحضاري:
يرى مراقبون أن الانزياح الخطير يستوجب تعاملًا موضوعيًا وحذرًا، بعيدًا عن التسرع الذي ظهر في بعض المنابر العربية، والتي ذهبت نحو التعميم والتجني على الحضارة الغربية اختزال حضارة كاملة في ممارسات إجرامية أدين صاحبها يمثل ظلمًا، كما أن الحكم على الإسلام من خلال تصرفات هوجاء لبعض المنتسبين إليه يندرج في السياق نفسه.
كما أن التسرع في إدانة كل من ورد اسمه في الوثائق يفتقر إلى المهنية، ما لم تُحدد طبيعة العلاقة بإبستين، إذ إن ورود الاسم وحده لا يرقى إلى مستوى الفعل المجرم.
مسؤولية الإعلام وضرورة التثبت:
تفرض هذه التسريبات مسؤولية مضاعفة على وسائل الإعلام، عبر الالتزام بالتقصي الموضوعي قبل إصدار الأحكام، بالتوازي مع دور الهيئات القضائية المختصة في التحقق والمساءلة.
مع ذلك، لا يغيب عن الرأي العام أن ورود أسماء شخصيات زارت جزيرة ليتل جيمس يثير الشبهة، وهو ما يفرض على من وردت أسماؤهم إصدار بيانات توضيحية تحدد طبيعة علاقتهم بإبستين، كما فعلت شخصيات عدة.
الصمت لا يرفع الشبهة:
الصمت لا يبدد الشكوك، ويُلحق ضررًا بصورة صاحبه، وبالمؤسسة التي يمثلها. لذلك يصبح إصدار «بيان حقيقة» ضرورة لحماية المؤسسات، أو مدخلًا لاتخاذ إجراءات قانونية أو إدارية عند الاقتضاء.
التأثير المتوقع: الغرب والعالم العربي
من المرجح أن تُحدث هذه التسريبات تأثيرات متفاوتة. ففي الغرب قد تتخذ طابعًا أخلاقيًا وقانونيًا، كما ظهر في حالات إقصاء شخصيات من مناصب اعتبارية، أو إزالة أسمائها من فضاءات عامة، أو إصدار بيانات توضيحية رسمية.
أما في العالم العربي، فالتداعيات قد تأخذ طابعًا سياسيًا، وقد تُفضي إلى هزّات شبيهة بتأثير تسريبات ويكيليكس، التي لم تكشف أسرارًا كبرى، لكنها كانت كافية لإشعال فتيل احتجاجات واسعة في بيئة مشحونة.
من الحدث إلى الظاهرة
ما يلفت الانتباه في فضيحة إبستين لا يقتصر على الممارسات ذاتها، وإنما يتصل بعدد المتورطين، ومواقعهم الاعتبارية، وطابعهم العالمي. لسنا أمام قضية محلية، وإنما أمام ظاهرة عابرة للحدود.
هذه الممارسات ليست غريبة عن عوالم السياسة والمال والاستخبارات، حيث جرى توظيف الابتزاز وتبادل المصالح منذ زمن طويل. المختلف هذه المرة هو خروجها إلى العلن بهذا الحجم.
الاستخبار بالمناولة والثورة الرقمية:
في ظل تداخل المال والسياسة والاستخبارات، يظل احتمال تكرار تسريبات مشابهة قائمًا، حتى وإن اختلف الحجم أو الوزن السياسي. فجزء من عالم الاستخبارات بالمناولة يعتمد على الحفلات وما يصاحبها من مجون، مع توثيق ذلك بغرض الضغط أو الابتزاز عند الحاجة.
إلى جانب ذلك، أسهمت الثورة الرقمية في تعرية هذا العالم، إذ باتت شرائح صغيرة قادرة على تخزين معطيات هائلة ونقلها بسهولة، سواء عن طريق الخطأ أو بفعل متعمد. من يظنون أنفسهم خارج نطاق الرقابة قد يجدون أنفسهم مكشوفين في اللحظة المناسبة.
هل تخلخل التسريبات المشهد العربي؟
نحن أمام ظاهرة مرشحة للتكرار، وليست حادثة عابرة وقد تسهم تسريبات إبستين في إحداث خلخلة داخل المشهد السياسي في العالم العربي، ما لم يطرأ حدث دولي أكبر يطغى عليها ويزيحها عن صدارة الاهتمام. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 3