تتجه الأنظار إلى الاستحقاق النيابي المقبل في لبنان وسط مناخ سياسي وأمني واقتصادي مثقل بالضغوط، الأمر الذي يفتح الباب أمام نقاش واسع حول حجم المشاركة الشعبية وإمكانية تراجع نسب التصويت مقارنة بالدورات السابقة ورغم تحديد وزارة الداخلية موعد الانتخابات في أيار المقبل، لا يزال قانون الانتخاب قائمًا من دون أي تعديل، فيما تتراكم أسباب الإحباط وفقدان الثقة لدى شرائح واسعة من اللبنانيين منذ عام 2022.
أحد أبرز العوامل المؤثرة يتمثل في الغموض المحيط بمشاركة المغتربين فغياب الحسم النهائي لآلية اقتراعهم يضع الأحزاب أمام خيارات مكلفة ومعقدة، أبرزها استقدام الناخبين من الخارج، تحديداً من دول بعيدة ذات جاليات لبنانية كبيرة مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة ودول أميركا اللاتينية هذا الواقع دفع قوى نيابية إلى طرح فكرة تأجيل الانتخابات إلى فصل الصيف، بما يسمح بعودة المغتربين خلال عطلاتهم السنوية، ويسهم في تخفيف الأعباء المالية وزيادة فرص مشاركتهم في العملية الانتخابية.
في الجنوب، يفرض الوضع الأمني نفسه عاملًا ضاغطًا على المشاركة فالمناطق التي تتعرض لغارات إسرائيلية متكررة تعيش حالة من القلق وعدم الاستقرار، الأمر الذي ينعكس مباشرة على قدرة المواطنين على التوجه إلى صناديق الاقتراع وفي هذا السياق، جرى سابقًا تقليص المنافسة في الانتخابات البلدية والاختيارية عبر التزكية في عدد كبير من القرى، تفاديًا لأي تصعيد أمني غير أن الاستحقاق النيابي يبدو أكثر تعقيدًا، في ظل معارك سياسية مفتوحة بين الثنائي الشيعي من جهة، وقوى معارضة وأطراف من المجتمع المدني وأحزاب مسيحية معترضة على سلاح حزب الله وخياراته الإقليمية من جهة أخرى.
إلى جانب ذلك، تبرز شريحة واسعة من اللبنانيين فقدت ثقتها بالعملية الانتخابية وبقدرة الطبقة السياسية على إحداث تغيير فعلي هذه الفئة، التي تقترب من نصف الجسم الانتخابي، امتنعت إلى حد كبير عن المشاركة في الاستحقاقات الأخيرة، غير متأثرة بخطابات التعبئة أو الدعوات إلى التغيير، وهو اتجاه انعكس نسب اقتراع متدنية في عدد من المحافظات.
ويضاف إلى هذه العوامل ابتعاد تيار المستقبل عن الحياة السياسية منذ عام 2022، وترتب على ذلك تراجع واضح في مشاركة الناخبين السنّة. هذا الغياب لا يزال يلقي بظلاله على المزاج الانتخابي في بيروت والبقاع والشمال، في انتظار إعلان الرئيس سعد الحريري موقفه من الانتخابات المقبلة، وهو قرار قادر على التأثير المباشر في نسب التصويت والتوازنات السياسية.
في المقابل، يتجه حزب الله وحركة أمل إلى تكثيف الجهود التنظيمية لرفع نسب المشاركة في بيئتهما، خصوصًا في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، إضافة إلى دوائر مختلطة مثل جبيل، بهدف الحفاظ على المقاعد المخصصة للطائفة الشيعية غير أن أي تبدل في موقف تيار المستقبل قد يعيد خلط الأوراق، خاصة أن غيابه في الانتخابات السابقة أتاح فوز شخصيات محسوبة على محور المقاومة بمقاعد كانت تقليديًا من نصيب التيار الأزرق.
وسط هذه المعطيات، تقف الانتخابات المقبلة أمام اختبار حقيقي على مستوى النتائج ونسبة المشاركة والشرعية الشعبية، في بلد تتآكل فيه الثقة السياسية وتتفاقم فيه التحديات الأمنية والاقتصادية.