تسجيل مسرّب يضع إيهود باراك مجدداً تحت الأضواء

2026.02.05 - 08:14
Facebook Share
طباعة

 أعادت دفعة جديدة من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية، ضمن ما يُعرف إعلامياً بـ«ملفات إبستين»، فتح ملفات سياسية واجتماعية شديدة الحساسية داخل إسرائيل وخارجها، وذلك بعد الكشف عن تسجيل صوتي غير مؤرخ، وُصف في تقارير إعلامية بأنه «خطير»، يجمع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك والملياردير الأمريكي جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال جنسي لقاصرات.

ويُظهر التسجيل، بحسب ما ورد في التسريبات، محادثة تناولت تصوراً ديمغرافياً واسع النطاق، يتمثل في جلب نحو مليون شخص من الدول الناطقة بالروسية إلى إسرائيل، باعتبار ذلك – وفقاً لما نُسب إلى باراك – عاملاً قادراً على إحداث تحول جذري في بنية الدولة على مستويات متعددة.


رؤية ديمغرافية واقتصادية وثقافية
وفق ما ورد في التسجيل المسرّب، تحدث إيهود باراك بشكل صريح عن حاجة إسرائيل إلى «مليون روسي إضافي»، معتبراً أن هذا الرقم ليس رمزياً، بل كفيل بإحداث تغيير «دراماتيكي للغاية» في إسرائيل، ليس فقط من حيث التركيبة السكانية، وإنما أيضاً على صعيد البنية الاقتصادية والثقافية للمجتمع.

وبحسب ما نُقل عن باراك، فإن استقدام هذا العدد من المهاجرين من شأنه أن يُعيد تشكيل قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسرائيلي، ويؤثر في سوق العمل، وأنماط التعليم، والتوازنات الثقافية، على غرار ما حدث – من وجهة نظره – خلال موجة الهجرة الكبرى من دول الاتحاد السوفياتي السابق في تسعينيات القرن الماضي.


انتقائية في سياسات الهجرة
وتكشف التسريبات أن باراك شدد خلال الحديث على أن إسرائيل قادرة على استيعاب هذا العدد «بسهولة»، إلا أنه أبدى في الوقت نفسه موقفاً مغايراً للسياسات السابقة، داعياً إلى ما وصفه بضرورة أن تكون الدولة «أكثر انتقائية» في اختيار المهاجرين الجدد.

وأوضح، وفق التسجيل، أن الظروف التي رافقت موجات الهجرة السابقة كانت مختلفة جذرياً، حيث كان الهدف آنذاك – حسب تعبيره – «إنقاذ الناس» وقبول كل من يأتي، دون تدقيق كبير في الخلفيات أو المؤهلات. أما اليوم، فيرى باراك أن إسرائيل باتت قادرة على التحكم في ما وصفه بـ«جودة» المهاجرين، بما يتلاءم مع احتياجات الدولة الاقتصادية والاجتماعية.

هذا الطرح أثار، وفق محللين، تساؤلات أخلاقية وسياسية حول مفهوم الانتقائية ذاته، وحدود استخدامه في سياسات الهجرة، وما إذا كان ينطوي على تمييز ضمني بين فئات المهاجرين.


مرونة في تعريف الهوية الدينية
ويتطرق التسجيل المسرّب أيضاً إلى قضية بالغة الحساسية داخل إسرائيل، تتعلق بتعريف «من هو اليهودي». إذ نُقل عن باراك قوله إن «الضرورة قد تخلق مرونة» في المعايير التقليدية، بما يسمح بتجاوز العقبات التي واجهت سياسات الاستيعاب في العقود الماضية.

وأشار باراك، وفق ما ورد، إلى أن «الضغط الاجتماعي» يمكن أن يساهم في تسريع اندماج الوافدين الجدد، داعياً إلى إبداء قدر أكبر من التسامح في تعريف الانتماء الديني. ولمّح إلى إمكانية توسيع معايير اليهودية، بما في ذلك تشجيع التحوّل الديني، مستشهداً بشخصيات توراتية لتبرير هذا التوجه.

ويرى مؤيدو هذا الطرح أنه يعكس مقاربة براغماتية تستجيب لمتطلبات الدولة الحديثة، بينما يعتبره منتقدون مساساً بجوهر الهوية الدينية، وتوظيفاً سياسياً للدين لخدمة أهداف ديمغرافية.


حديث عن روسيا وتجربة التسعينيات
ويمضي التسجيل، بحسب التسريبات، ليكشف عن إشارة باراك إلى محادثات سابقة أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال خلالها إنه كان يكرر له أن إسرائيل «لا تحتاج إلى مليون واحد فقط»، مستحضراً تجربة الهجرة الواسعة من دول الاتحاد السوفياتي السابق في تسعينيات القرن الماضي.

وتُعد تلك الموجة من أكبر التحولات الديمغرافية في تاريخ إسرائيل، حيث وصل قرابة مليون مهاجر ناطق بالروسية، وأسهموا – وفق روايات رسمية – في إعادة تشكيل الاقتصاد الإسرائيلي، وتعزيز قطاعات التكنولوجيا والعلوم، وترك بصمة واضحة في المشهد الثقافي والفني.


ردود فعل دينية
وفي أول رد فعل مباشر على هذه التسريبات، كتب الحاخام الأكبر السابق لموسكو، بينحاس غولدشميدت، تعليقاً على منصة «إكس» قال فيه: «أنا سعيد لأنه عندما كنت الحاخام الأكبر لموسكو أوقفنا هذه المبادرة المجنونة».

ويعكس هذا التصريح موقفاً رافضاً لأي محاولات لنقل جماعي واسع النطاق لليهود الروس، لا سيما إذا كان مدفوعاً باعتبارات سياسية أو ديمغرافية، وهو موقف يتقاطع مع تحفظات أوساط دينية يهودية تخشى تسييس قضايا الهوية والانتماء.


شرخ داخلي متجدد
يرى محللون أن خطورة هذه التسريبات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها وقدرتها على إعادة فتح جراح داخلية قديمة في المجتمع الإسرائيلي. فعلى مستوى الهوية، تعيد هذه الوثائق الجدل حول تعريف اليهودية، وتطرح أسئلة بشأن يهودية بعض المهاجرين القادمين من دول الاتحاد السوفياتي السابق، وما إذا كانت اعتبارات استيعابهم ديمغرافية وسياسية أكثر منها دينية.

أما على المستوى الاجتماعي، فيتوقع مراقبون أن تؤدي تصريحات باراك حول «الانتقائية» و«جودة» المهاجرين إلى تعميق الشرخ الطائفي، لا سيما في ظل حساسيات تاريخية بين اليهود الأشكناز، ذوي الأصول الأوروبية، واليهود السفارديم والمزراحيم القادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويُنظر إلى هذا الخطاب، بحسب منتقديه، على أنه تقليل ضمني من شأن موجات الهجرة التي جاءت من الدول العربية وشمال أفريقيا، والتي تمت في ظروف صعبة وقسرية بعد قيام إسرائيل، وأسهمت في بناء الدولة رغم التهميش الذي تعرضت له تلك الفئات.


خلفية باراك والنخبة الأشكنازية
ويُعد إيهود باراك أحد أبرز رموز النخبة الأشكنازية المؤسسة في إسرائيل. وُلد عام 1942 في كيبوتس مشمار هشارون في فلسطين، لأسرة يهودية هاجرت من أوروبا الشرقية قبل قيام الدولة. فقد هاجر والده، يسرائيل بروغ، من ليتوانيا، بينما جاءت والدته، إستر غودين، من بولندا، وهما من الدول التي تُعد معقلاً تاريخياً ليهود أوروبا الشرقية.

ويرى بعض الباحثين أن هذه الخلفية تلقي بظلالها على مواقفه، فيما يؤكد أنصاره أن طرحه يعكس رؤية استراتيجية للدولة بعيداً عن الاعتبارات العرقية.


سياق قضية إبستين
تأتي هذه التسريبات في سياق أوسع، بعد إعلان نائب وزير العدل الأمريكي تود بلانش عن نشر أكثر من ثلاثة ملايين ملف جديد للرأي العام، ضمن التحقيقات المرتبطة بجيفري إبستين.

وكان إبستين متهماً بإدارة شبكة استغلال جنسي استهدفت فتيات قاصرات، وعُثر عليه ميتاً داخل زنزانته في نيويورك عام 2019، قبل محاكمته، في حادثة أثارت موجة واسعة من نظريات المؤامرة حول احتمال تصفيته لحماية شخصيات نافذة.

وتضمنت ملفات القضية أسماء عدد كبير من الشخصيات العالمية البارزة، من بينها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، والأمير البريطاني أندرو، والرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، إضافة إلى المغني الراحل مايكل جاكسون، وحاكم ولاية نيو مكسيكو الأسبق بيل ريتشاردسون.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 10