الآثار السورية بين الحماية والنهب

2026.02.04 - 04:40
Facebook Share
طباعة

 تعيش الآثار السورية اليوم مشهدين متناقضين، يعكسان صراعًا حادًا بين الضمير الإنساني وشبكات النهب المنظم. مشهدٌ أول تقوده مبادرات فردية تحاول حماية ما تبقى من الذاكرة التاريخية للبلاد، ومشهدٌ ثانٍ مظلم يعمل على تهريب تلك الكنوز إلى الخارج، لتُعرض في مزادات عالمية بأسعار خيالية، وكأنها مجرد سلع منفصلة عن أرضها وتاريخها.

في المشهد الأول، تبرز حوادث فردية نادرة، كان آخرها تسليم أحد المواطنين في محافظة درعا مجموعة من القطع الأثرية إلى الجهات المختصة. وتضمنت هذه القطع فخارًا يعود إلى عصور سحيقة، من بينها مكتشفات تعود إلى عصر البرونز الوسيط، وأخرى من العهدين الروماني والبيزنطي، إضافة إلى قطع من العصر الإسلامي. خطوة كهذه، رغم بساطتها، تعكس مستوى عاليًا من الوعي والمسؤولية تجاه الإرث الحضاري، في زمن بات فيه الحفاظ على الآثار فعلًا استثنائيًا.

في المقابل، يظهر المشهد الثاني أكثر قسوة، ويتمثل في استمرار تهريب الآثار السورية إلى الخارج، وظهورها في مزادات دولية للفنون والآثار، تضم قطعًا من حضارات الشرق الأدنى وغربي آسيا، من بينها آثار تعود لمدن سورية تاريخية، أبرزها تدمر. هذه الظاهرة تعيد فتح ملف الاتجار غير المشروع بالآثار، الذي ازدهر خلال سنوات الحرب، وما زال يجد بيئة خصبة للاستمرار.

وخلال أكثر من 14 عامًا من النزاع، لم تنجُ الآثار السورية من النهب أو التدمير، سواء نتيجة القصف المباشر، أو أعمال التخريب، أو التنقيب العشوائي. ويبدو هذا الدمار جليًا في مدن مثل الرقة، حيث تعاني معالم تاريخية بارزة من تصدعات خطيرة تهدد بانهيارها الكامل، بدءًا من سور المدينة، مرورًا بالمساجد التاريخية، وصولًا إلى الأبواب والقصور الأثرية التي تشكل جزءًا من هوية المكان.

وتشير تقديرات موثقة إلى أن عشرات المواقع الأثرية السورية تعرضت لدمار كامل أو جزئي، بينما لحقت أضرار جسيمة بمئات المواقع الأخرى، بدرجات متفاوتة. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة التي طالت الذاكرة الثقافية لسوريا، والتي لا يمكن تعويضها أو استعادتها بمجرد إعادة الإعمار.

وقبل سنوات من تفاقم النزاع، حذرت أصوات عديدة من مصير الكنوز الأثرية السورية، التي تضم قلاعًا وكنائس ومساجد ومدنًا تاريخية ومتاحف تحتوي على آثار فريدة في المنطقة. ومع تدهور الأوضاع الأمنية، تحولت هذه الكنوز إلى أهداف سهلة للنهب، سواء على يد أفراد أو شبكات منظمة عابرة للحدود.

ورغم التحذيرات الدولية المتكررة بضرورة حماية المواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي، استمرت عمليات النهب، خاصة في فترات الفراغ الأمني. فبعد سقوط النظام، تعرضت العديد من المواقع الأثرية لعمليات نبش واسعة، استخدمت فيها آليات حفر ثقيلة، في انتهاك صارخ للقوانين والمعايير الدولية. كما انتشرت أجهزة الكشف عن المعادن والآثار في الأسواق، ووصل الأمر إلى الترويج لها علنًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي ظل هذا الواقع، تدخلت الجهات الأمنية في بعض المناطق، وصادرت أجهزة تنقيب، وأوقفت أشخاصًا ضُبطوا أثناء عمليات حفر غير قانونية. لكن بالمقابل، ظهرت شبكات وسماسرة يؤجرون تلك الأجهزة بأسعار مرتفعة، مستغلين طمع البعض وحاجتهم المادية، في مشهد يعكس تحوّل الآثار من قيمة حضارية إلى وسيلة للثراء السريع.

وتبدو المقارنة مؤلمة بين من يسلّم قطعة أثرية بدافع حماية التاريخ، ومن يدمّر موقعًا كاملًا بحثًا عن كنز وهمي. هذا السلوك التخريبي لا يمكن تفسيره إلا كنوع من القطيعة مع الذات والذاكرة، وكأن الماضي بات عبئًا يجب التخلص منه بدل الحفاظ عليه.

وفي قلب هذا المشهد القاتم، تبرز قصص إنسانية تعيد بعض الأمل. ففي المتحف الوطني بدمشق، صمد حارس بسيط في وجه الفوضى، وحمى المتحف في واحدة من أصعب الليالي، متحديًا الخطر والنيران، حفاظًا على ما يحويه المكان من تاريخ. علاقة هذا الرجل بالمتحف لم تكن مجرد وظيفة، بل ارتباطًا وجدانيًا بقطع أثرية بات يعتبرها جزءًا من حياته.

وعندما يقف الزائر أمام تمثال “أسد اللات” التدمري، وهو يحتضن حملاً وديعًا، وتتردد العبارة المنقوشة التي تدعو إلى نبذ العنف داخل المعبد، يشعر المرء أن هذه الآثار لم تكن يومًا مجرد حجارة، بل رسائل أخلاقية عابرة للزمن.

بين مشهد الحماية الفردية ومشهد التهريب المنظم، تبقى الآثار السورية معلقة بين الضياع والنجاة، بانتظار إرادة حقيقية تحمي ما تبقى من ذاكرة بلدٍ كان، ولا يزال، واحدًا من أغنى بقاع العالم حضارةً وتاريخًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7