شهدت مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، تطورًا أمنيًا لافتًا مع تسلّم وزارة الداخلية السورية المربع الأمني في المدينة، في خطوة تأتي ضمن التفاهمات المبرمة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية”، والهادفة إلى إعادة تنظيم المشهدين الأمني والإداري في المنطقة.
ودخلت وحدات من الأمن الداخلي إلى القامشلي وانتشرت في عدد من المواقع الرسمية، أبرزها مبنى إدارة المرور، وسط إجراءات أمنية مشددة سبقت عملية الانتشار. وتزامن ذلك مع حالة من الهدوء الحذر في المدينة عقب يوم من التوتر الأمني وفرض حظر تجوال شامل.
وكانت المدينة قد شهدت، قبل ساعات من دخول القوات الحكومية، شللًا شبه تام في الحركة، بعد إعلان حظر كلي للتجوال شمل جميع الأحياء، رافقته تحذيرات مشددة من أي تحرك في الشوارع. وانتشرت عناصر مسلحة في نقاط استراتيجية، شملت أبنية مرتفعة ومواقع حيوية داخل المدينة، في إجراء عكس حجم الحساسية التي رافقت تنفيذ الاتفاق.
كما شهدت القامشلي انقطاعًا واسعًا في خدمات الإنترنت والاتصالات، بما فيها الشبكات المحلية والفضائية، ما أدى إلى عزل المدينة مؤقتًا عن محيطها، وأثار مخاوف لدى السكان من تطورات ميدانية غير محسوبة.
الانتشار الأمني الجديد جرى بأعداد محدودة نسبيًا، مع بقاء القوات التي دخلت المدينة ضمن نطاقها، في مؤشر على أن الخطوة تمثل مرحلة أولى من ترتيبات أوسع. وتشير المعطيات إلى أن هذه الترتيبات تتضمن دمج قوى الأمن المحلية ضمن هيكلية وزارة الداخلية السورية، وفق نموذج مشابه لما جرى في مدينة الحسكة.
وفي الحسكة، سبقت هذه التطورات عملية دخول مماثلة لوحدات الأمن الداخلي، حيث انتشرت في المربع الأمني والمؤسسات الحكومية، وسط مرافقة من القوى المحلية، في إطار تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق. واقتصر الانتشار في بدايته على المواقع الرسمية، بينما بقيت بقية الأحياء تحت السيطرة الأمنية السابقة.
وترافقت التحركات الأمنية في الحسكة مع توترات ميدانية، شملت إطلاق نار على أحد الأرتال الأمنية أثناء عملية الانتشار، ما استدعى تنفيذ عمليات أمنية وملاحقات محدودة، وفرض حظر تجوال مؤقت، قيل إنه يهدف إلى منع استغلال الوضع الأمني واحتواء أي تهديدات محتملة.
كما شهدت أحياء عدة في الحسكة حملات دهم واعتقالات طالت عشرات المدنيين، على خلفية الاشتباه بتورطهم في أعمال تهدد الاستقرار أو بسبب مواقفهم من الترتيبات الأمنية الجديدة، الأمر الذي أثار قلقًا واسعًا في الأوساط الشعبية، خصوصًا في ظل القيود المفروضة على الحركة والخدمات.
وبالتوازي مع ذلك، تعطلت بعض الخدمات الأساسية في الحسكة، شملت إيقاف عمل الأفران في عدد من الأحياء، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة، ما زاد من حدة التوتر لدى السكان، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع أمني وخدمي ضاغط.
هذه التطورات تأتي في سياق اتفاق أوسع جرى الإعلان عنه أواخر كانون الثاني الماضي، ويتضمن وقفًا شاملًا لإطلاق النار بين الحكومة السورية و”قسد”، إلى جانب ترتيبات أمنية وإدارية جديدة تهدف إلى إعادة بسط سلطة الدولة تدريجيًا في مراكز المدن، ودمج القوى المحلية ضمن مؤسساتها الرسمية.
وبحسب ما رشح من بنود الاتفاق، فإن المرحلة الحالية تركز على إعادة الهيكلة الأمنية، من خلال دمج قوى الأمن المحلية ضمن وزارة الداخلية، والحد من المظاهر المسلحة داخل المدن، وإزالة الحواجز العسكرية من الأحياء السكنية، على أن تُستكمل العملية بمراحل لاحقة تشمل انسحاب الوحدات القتالية إلى مواقع خارج التجمعات السكنية.
عسكريًا، ينص الاتفاق على إعادة تنظيم بعض التشكيلات ضمن هيكلية الجيش السوري، عبر تشكيل وحدات عسكرية جديدة تضم مقاتلين محليين، في خطوة تهدف إلى توحيد المرجعية العسكرية وتقليص تعدد مراكز القرار.
كما يشمل الاتفاق دمج المؤسسات الإدارية التابعة للإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية أوضاعهم الوظيفية، إلى جانب تعهدات تتعلق بالحقوق المدنية والثقافية، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
ورغم الإعلان عن هذه التفاهمات، لا تزال حالة من الضبابية تسيطر على المشهد في شمال شرقي سوريا، في ظل غياب تفاصيل واضحة حول الجدول الزمني للتنفيذ، وآليات الضمان، وحدود الصلاحيات الأمنية خلال المرحلة الانتقالية.
وبينما ترى أطراف رسمية أن ما يجري يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار وتوحيد مؤسسات الدولة، يخشى كثير من السكان المحليين من أن تؤدي هذه التحولات إلى تشديد القبضة الأمنية، وتراجع هامش الحريات الذي كان قائمًا نسبيًا خلال السنوات الماضية.
وفي انتظار اتضاح صورة المرحلة المقبلة، تبقى مدينتا القامشلي والحسكة في قلب مشهد متغير، يحمل في طياته فرصًا لإعادة الاستقرار، كما يحمل تحديات حقيقية تتعلق بالأمن، والخدمات، وحقوق السكان، وسط ترقب لما ستؤول إليه نتائج هذا الاتفاق على أرض الواقع.