لم تكن الرقة مدينة عادية في تاريخ سوريا الحديث، ولا في مسار الثورة التي اندلعت عام 2011. فمنذ أن خرجت بالكامل عن سيطرة نظام الأسد في آذار 2013، تحولت إلى رمز مبكر لكسر الخوف، ثم إلى نموذج قاسٍ لما يمكن أن تؤول إليه المدن حين تُدار مصائرها من خارج إرادة أهلها.
خلال أقل من عشر سنوات، عاشت الرقة ثلاث مراحل ثقيلة الوطأة: حكم النظام، ثم سيطرة تنظيم “داعش” الذي حوّلها إلى عاصمة لمشروعه الدموي، ثم مرحلة حكم الأمر الواقع تحت سلطة “قوات سوريا الديمقراطية”. في كل مرحلة، كان القاسم المشترك واحداً: تغييب سكان المدينة عن القرار، ودفعهم ثمن صراعات لم يكونوا طرفاً فيها.
بعد تحريرها الأول من قبضة النظام، عاشت الرقة فترة قصيرة لكنها لافتة، شهدت حراكاً مدنياً واسعاً تمثل في مجالس محلية منتخبة، ونشاط إغاثي وتعليمي وإعلامي، ومبادرات مجتمعية حاولت تنظيم الحياة اليومية بعيداً عن القمع. ورغم هشاشة الظروف، بدت المدينة حينها كمساحة اختبار حقيقية لإمكانية إدارة الشأن العام بإرادة محلية.
غير أن هذه التجربة لم تُمنح فرصة الاستمرار. فغياب الدعم، وتصاعد العسكرة، واشتداد الصراع في محيط المدينة، جعل الرقة هدفاً سهلاً للتطرف، لتدخل أواخر عام 2013 في واحدة من أحلك مراحلها مع سيطرة تنظيم “داعش”، الذي دمّر المجال العام، وألغى أي شكل من أشكال العمل المدني، وحكم المدينة بالعنف والترهيب.
وعلى الرغم من قصر تلك المرحلة المدنية، ما تزال حاضرة في ذاكرة الرقة بوصفها دليلاً على أن المدينة امتلكت، ولو لبرهة، قدرة حقيقية على إنتاج نموذج مختلف، قبل أن يُجهض بالقوة.
بعد طرد “داعش”، دخلت الرقة مرحلة جديدة وُعدت فيها بالاستقرار وإعادة الإعمار، إلا أن الواقع سرعان ما كشف عن نمط إدارة قائم على المركزية والعقلية الأمنية، وإقصاء الكفاءات المحلية، واختزال المحافظة في بعدها الاقتصادي، لا كمجتمع حي مليء بالخبرات والطاقات.
طوال هذه السنوات، لم تكن الرقة شريكاً في تقرير مستقبلها، بل موضوعاً لقرارات تُتخذ خارجها، وسلطة تُفرض عليها باسم محاربة الإرهاب أو حفظ الاستقرار. ومع الزمن، تراكم في وعي سكانها شعور عميق بالخذلان، وغضب صامت ناتج عن تكرار التجربة ذاتها بوجوه مختلفة.
اليوم، ومع عودة الرقة إلى حضن الدولة، تقف المدينة أمام اختبار حاسم. فالسؤال المطروح لا يتعلق فقط بتبدل السيطرة، بل بنوعية المرحلة المقبلة: هل ستكون بداية فعلية لبناء شرعية جديدة، أم إعادة إنتاج لأنماط الحكم القديمة تحت عناوين جديدة؟
يُجمع كثيرون على أن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يقوم من دون عدالة ومحاسبة. فالتجارب السابقة أثبتت أن تجاوز الانتهاكات، أو تبريرها باسم السلم الأهلي، لا يصنع دولة، بل يؤجل الانفجار. في بيئة عشائرية مثل الرقة، يصبح غياب القانون خطراً مضاعفاً، لأنه يفتح الباب أمام العدالة الفردية والانتقام الأهلي.
وفي هذا السياق، تتردد على ألسنة أبناء المدينة عبارة تختصر عقوداً من التهميش: “لسنا برميل نفط ولا شوال حنطة”. وهي عبارة لا تعكس فقط رفض اختزال الرقة بثرواتها، بل اعتراضاً عميقاً على عقلية تعاملت مع الجزيرة السورية بوصفها خزان موارد، لا مجتمعاً له تاريخ وكرامة وحق في التنمية.
هذا الاختزال لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج سياسات طويلة حولت المنطقة إلى مصدر استنزاف، فيما بقيت مدنها تعاني من الإهمال، وسوء الخدمات، وغياب البنى التحتية، رغم ما تقدمه من ثروات بشرية واقتصادية.
على المستوى الخدمي، تواجه الرقة تحديات هائلة تراكمت عبر سنوات الحرب. فالكهرباء والمياه، والصحة والتعليم، ومكافحة الجريمة والمخدرات، تتصدر قائمة الأولويات الملحة. كما يشكل دمار الجسور والبنية التحتية عائقاً كبيراً أمام تعافي المدينة وربط أحيائها ببعضها.
ورغم حجم المعاناة، يلاحظ مراقبون حالة من الصبر المشوب بالأمل لدى السكان. غير أن هذا الصبر ليس بلا حدود، وهو مرتبط بمدى جدية الخطوات القادمة، وسرعة الاستجابة للاحتياجات الأساسية، ووضوح مسار العدالة والمساءلة.
إدارياً، لا تعاني الرقة من نقص في الكفاءات، بل من تغييبها. فالمدينة تضم طيفاً واسعاً من الخبرات في مختلف المجالات، لكن الإشكالية كانت دائماً في تفضيل الولاءات والمحسوبيات على الكفاءة والنزاهة. ويجمع كثيرون على أن أي إدارة جديدة لن تنجح ما لم تعتمد معايير واضحة، وتفتح المجال أمام أبناء المدينة للمشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم.
في المحصلة، لا يطالب أهل الرقة بالمستحيل. مطلبهم الأساسي شراكة حقيقية مع الدولة، تقوم على العدالة، والمحاسبة، واحترام إرادتهم، وبناء مدينة تُدار لأول مرة بإرادة أهلها، لا بالنيابة عنهم. فالرقة، بعد كل ما مرت به، لا تبحث عن وعود جديدة، بل عن فرصة حقيقية لكسر الحلقة ذاتها التي دارت فيها لسنوات طويلة.