دخل إضراب مزارعي الحليب في إسرائيل حيّز التنفيذ، فاتحاً الباب أمام أزمة متصاعدة تهدد استقرار أحد أهم القطاعات الغذائية في البلاد. ومع إعلان المزارعين وقف تزويد مصانع الألبان بالحليب الخام، انتقلت المواجهة مع الحكومة من حيز النقاشات التشريعية إلى ضغط ميداني مباشر، قد تنعكس تداعياته سريعاً على الأسواق والمستهلكين.
ويأتي هذا التصعيد في ظل خلاف حاد حول خطة إصلاح حكومية تهدف إلى إعادة تنظيم قطاع الألبان، وسط اتهامات من المزارعين بأن الخطة تهدد وجودهم الاقتصادي، وتفتح الطريق أمام إغلاق واسع للمزارع، خصوصاً في المناطق الطرفية.
تصعيد غير مسبوق
قرار وقف الإمدادات يُعد من أكثر الخطوات الاحتجاجية حدة في تاريخ القطاع، إذ يمثل سابقة من حيث تأثيره المباشر على سلسلة الإنتاج الغذائي. ويرى المزارعون أن هذه الخطوة جاءت بعد استنفاد كل محاولات الحوار، معتبرين أن مسار الإصلاح فُرض دون توافق حقيقي، ودون الأخذ بالتحذيرات المتعلقة بتداعياته طويلة الأمد.
وبالتزامن مع بدء الإضراب، يناقش الكنيست المسار البرلماني الذي ستُحال إليه خطة الإصلاح، في ظل جدل سياسي حول الجهة التي ستتولى دراستها. هذا الجدل فُسّر من قبل المزارعين على أنه محاولة لتجاوز معارضة داخلية وتسهيل تمرير الخطة، ما فاقم حالة انعدام الثقة بين الطرفين.
أزمة تتجاوز المزارعين
لم تعد الأزمة محصورة في مطالب فئوية، بل باتت تمس مسألة أوسع تتعلق بأمن الغذاء والاستقرار الزراعي. فالمزارعون يحذرون من أن تطبيق الإصلاح بصيغته الحالية قد يؤدي إلى إغلاق مئات مزارع الأبقار، ما يعني تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الاستيراد، في بلد يعاني أصلاً من تقلبات في سلاسل الإمداد.
كما يشيرون إلى أن قطاع الألبان يشكل ركيزة أساسية للزراعة في المناطق الريفية، وأن انهياره سيؤدي إلى سلسلة من الخسائر غير المباشرة، تشمل المحاصيل الحقلية المرتبطة به، وتراجع استثمار الأراضي الزراعية، وصولاً إلى هجرة مناطق حدودية تعتمد على النشاط الزراعي كمصدر رئيسي للعيش.
احتجاجات في الشارع
خلال الأسابيع الماضية، شهدت عدة مناطق احتجاجات ميدانية واسعة شارك فيها آلاف المزارعين، شملت إغلاق طرق رئيسية وتنظيم مسيرات بآليات زراعية. واتسمت بعض هذه التحركات بطابع رمزي، في محاولة للتأكيد على أن الاحتجاج لا يستهدف المستهلك، بل يسعى للدفاع عن حقه في غذاء محلي مستقر.
وفي المقابل، حملت احتجاجات أخرى رسائل أكثر حدة، عكست حجم الغضب داخل القطاع، خصوصاً مع شعور متزايد بأن التحذيرات لم تلقَ آذاناً صاغية، وأن مستقبل المزارع الصغيرة والمتوسطة بات مهدداً.
روايتان متصادمتان
تؤكد الحكومة أن إصلاح قطاع الحليب يهدف إلى خفض كلفة المعيشة وتعزيز التنافسية، وترى أن إعادة هيكلة القطاع ضرورية لمواكبة التحديات الاقتصادية، وتحقيق توازن بين دعم الزراعة وحماية المستهلك.
في المقابل، يشدد المزارعون ومسؤولون محليون على أن الخطة، بصيغتها الحالية، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تقويض الإنتاج المحلي بدل تعزيزه، وإضعاف قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي في أحد أهم السلع الغذائية الأساسية.
ويذهب هؤلاء إلى اعتبار أن المسألة لم تعد اقتصادية فقط، بل باتت تمس الأمن القومي، في ظل ارتباط الزراعة بالاستيطان في الأطراف، وبالقدرة على الحفاظ على حضور سكاني واقتصادي في مناطق حساسة.
تداعيات محتملة
مع بدء وقف الإمدادات فعلياً، تزداد المخاوف من انعكاسات سريعة على مصانع الألبان، وما قد يترتب عليها من نقص في المنتجات أو ارتفاع في الأسعار إذا طال أمد الإضراب. كما أن استمرار التصعيد قد يدفع الحكومة إلى اتخاذ خطوات طارئة، أو فتح قنوات تفاوض جديدة لتفادي تفاقم الأزمة.
غير أن المزارعين يبدون حتى الآن تمسكاً بخيار التصعيد، معتبرين أن التراجع دون تعديل جوهري في خطة الإصلاح سيعني القبول بمسار يرونه تهديداً وجودياً لمستقبلهم.
إلى أين تتجه الأزمة؟
تقف أزمة الألبان في إسرائيل عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الحكومة والمزارعون في التوصل إلى تسوية توازن بين الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على البنية الزراعية، أو أن تتجه الأزمة نحو مزيد من التصعيد، مع كلفة اقتصادية واجتماعية قد تتجاوز قطاع الألبان نفسه.
وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على اختراق وشيك، تبقى الأيام المقبلة مفتوحة على سيناريوهات متعددة، فيما يترقب المستهلك الإسرائيلي تداعيات نزاع يبدو أنه دخل مرحلة يصعب احتواؤها دون تدخل سياسي مباشر.