مستقبل قسد بعد دخول دمشق

2026.02.03 - 09:07
Facebook Share
طباعة

 مع دخول مجموعات من القوى الأمنية التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مدينة الحسكة، بدأت ملامح مرحلة جديدة في العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، بعد أسابيع من المواجهات العسكرية التي انتهت بتراجع نفوذ قسد في مساحات واسعة من شمال وشرق البلاد. هذا التطور يُعدّ الأبرز منذ سنوات، كونه يطال واحدة من أكثر المدن حساسية في خريطة سيطرة قسد، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبلها السياسي والعسكري.

خسرت قسد خلال المواجهات الأخيرة أجزاء كبيرة من مناطق نفوذها، شملت معظم محافظة الرقة، وأجزاء واسعة من دير الزور، إلى جانب أطراف من محافظة الحسكة. ومع أن الاتفاق المعلن بين الطرفين أوقف العمليات العسكرية، فإن طبيعته العامة وغياب التفاصيل التنفيذية جعلاه عرضة لتفسيرات متناقضة، ما يضعه أمام اختبار صعب منذ خطواته الأولى.


الحسكة… خطوة رمزية أم بداية استعادة؟
يُنظر إلى دخول القوات الأمنية السورية إلى الحسكة بوصفه تطوراً نوعياً، لكنه في الوقت ذاته لا يعني استعادة كاملة لسلطة الدولة. فالانتشار الحالي يبدو محدوداً من حيث العدد والصلاحيات، ويُقدَّم باعتباره خطوة تمهيدية ضمن مسار طويل، أكثر منه تحوّلاً نهائياً في موازين السيطرة.

هذا الواقع يعكس حالة من التعايش الحذر بين الطرفين، حيث تسعى دمشق إلى تثبيت حضورها المؤسسي، فيما تحاول قسد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من نفوذها الإداري والأمني، ولو بصيغة معدّلة.


اتفاق غامض وتفسيرات متباينة
تتمحور الإشكالية الأساسية حول تفسير بنود الاتفاق. فالرؤية الرسمية السورية تركز على مبدأ الاندماج الكامل، سواء على المستوى العسكري أو الإداري، ضمن مؤسسات الدولة، وبآليات تخضع لإشراف وزارتي الدفاع والداخلية. في المقابل، تتبنى قسد قراءة مختلفة، تقوم على الإبقاء على بنيتها الحالية، مع قبول وجود حكومي محدود ذي طابع تنسيقي أو رمزي.

هذا التباين لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى الملفات الإدارية والتعليمية والأمنية، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى تفاهم سياسي هش، قابل للتأويل، أكثر منه خارطة طريق واضحة المعالم.


واقع أمني هش
على الأرض، لا تزال الأوضاع الأمنية في الحسكة تعكس هشاشة المرحلة الانتقالية. فبعض الأحياء ما زالت تخضع لإجراءات أمنية مشددة، وتُسجَّل حوادث متفرقة تعكس توتراً كامناً بين السكان المحليين وقسد. هذا الواقع يثير مخاوف من أن يؤدي غياب آليات واضحة لحماية المدنيين وضمان الحقوق العامة إلى تقويض الثقة بالاتفاق، وإعادة إنتاج أسباب الاحتقان.

كما أن غياب سلطة أمنية موحدة حتى الآن يجعل المدينة عرضة لحالات فوضى أو احتكاك، في حال لم يُحسم سريعاً ملف الصلاحيات ومسؤوليات كل طرف.


عقبات داخلية تعرقل التنفيذ
إحدى أبرز التحديات أمام مستقبل قسد تكمن في بنيتها الداخلية. فالتشكيل الحالي يضم تيارات متعددة، تختلف في رؤيتها لمستقبل العلاقة مع دمشق. بعض هذه التيارات يرى في الاندماج تهديداً مباشراً لمكاسب راكمها خلال سنوات، فيما لا يزال آخرون يراهنون على هامش مناورة سياسي أو دعم خارجي قد يعيد لهم جزءاً من النفوذ المفقود.

هذا الانقسام الداخلي ينعكس بطئاً في التنفيذ، ويزيد من احتمالات المماطلة أو الانتقائية في تطبيق الاتفاق، ما قد يدفع الحكومة السورية إلى تشديد موقفها في المراحل اللاحقة.


البعد الإقليمي والدولي
لا يمكن فصل مستقبل قسد عن السياق الإقليمي والدولي. فالتغير في مقاربة القوى الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة، تجاه الملف السوري، يلعب دوراً مهماً في تقليص هوامش الحركة أمام قسد. التركيز المتزايد على الاستقرار ومنع تفجر صراعات جديدة، يجعل أي تصعيد محتمل عبئاً سياسياً يصعب تبريره.

هذا التحول يضع قسد أمام خيارين: إما الانخراط في تسوية تدريجية تضمن لها دوراً محدوداً ضمن الدولة، أو المخاطرة بفقدان ما تبقى من نفوذها في حال فشلت التفاهمات.


سيناريوهات مفتوحة
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين نجاح تدريجي للاتفاق، يقود إلى تفكيك البنية العسكرية لقسد ودمج عناصرها بشكل فردي، وبين تعثر قد يعيد إنتاج المواجهة، ولو بأشكال مختلفة. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الاتفاقات غير المحسومة غالباً ما تنهار عند أول اختبار جدي.

وتُعد الحسكة والقامشلي ساحة الاختبار الأهم، حيث سيُقاس مدى استعداد قسد للتخلي عن مشروعها الإداري، مقابل ضمانات تتعلق بالحقوق المحلية والخدمات، ضمن إطار الدولة.


مستقبل قسد… إلى أين؟
في المحصلة، يبدو أن قسد تقف عند مفترق طرق حاسم. فخسارة مناطق النفوذ، ودخول مؤسسات الدولة إلى معاقلها، وتراجع الغطاء الدولي، كلها عوامل تضيق خياراتها. مستقبلها لن يُحسم بالشعارات أو البيانات، بل بقدرتها على اتخاذ قرار استراتيجي واضح: إما الاندماج التدريجي ضمن الدولة السورية، أو الانكفاء والانحسار في هامش جغرافي وسياسي أضيق.

ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بانتقال الطرفين من التفاهمات النظرية إلى خطوات عملية، تعيد ضبط المشهد الأمني، وتمنح الأولوية لحقوق المدنيين واستقرار المنطقة، بعد سنوات طويلة من الصراع والتجاذب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 5