درع أمريكا الصاروخي يصطدم بالعقبات

2026.02.03 - 08:30
Facebook Share
طباعة

 قبل عام، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مشروع دفاعي وُصف حينها بأنه الأضخم والأكثر طموحاً في تاريخ الولايات المتحدة، تحت اسم "القبة الذهبية"، متعهداً بإنجازه خلال ثلاث سنوات فقط. المشروع قُدّم بوصفه درعاً صاروخياً متكاملاً، قادراً على حماية البلاد من التهديدات الباليستية والفرط صوتية، وبأنه سيُنفّذ بسرعة غير مسبوقة. غير أن مرور عام على ذلك الإعلان كشف فجوة واسعة بين الطموح المعلن والواقع التنفيذي.

حتى الآن، لم يتحول المشروع إلى ورشة عمل فعلية بالمعنى الكامل، إذ لم تبدأ عملية نشر شبكة أجهزة الاستشعار أو الصواريخ الاعتراضية التي تشكل جوهر "القبة الذهبية". هذا التأخير أثار تساؤلات داخل الأوساط السياسية والعسكرية حول جدية التنفيذ، وإمكانية الالتزام بالجدول الزمني الذي حدده الرئيس.

تعقيد تقني وتمويل معلق

أحد أبرز أسباب التعثر يتمثل في الطبيعة المعقدة للمشروع نفسه. فـ"القبة الذهبية" لا تقتصر على منظومة دفاعية تقليدية، بل تقوم على شبكة متعددة الطبقات تشمل أنظمة فضائية، وأقماراً صناعية، وصواريخ اعتراضية متقدمة، إضافة إلى بنية تحتية رقمية عالية الحساسية. هذا التعقيد جعل المشروع أكثر صعوبة مما بدا عليه في الخطاب السياسي.

إلى جانب ذلك، لم يتم حتى الآن الإفراج الكامل عن التمويل المخصص للمشروع، رغم إقرار الكونغرس مبلغا ضخما لدعمه. هذا التعطيل المالي انعكس مباشرة على قدرة وزارة الدفاع على إطلاق مراحل التنفيذ الرئيسية، وأبقى المشروع في إطار التخطيط النظري بدلاً من الانتقال إلى مرحلة البناء الفعلي.

مشروع مهدد بالتآكل

تأخر الانطلاق العملي للمشروع أثار مخاوف داخل المؤسسات الدفاعية من أن يفقد زخمه السياسي، وأن يتحول إلى ملف قابل للتجميد أو التقليص. فغياب خطوات ملموسة على الأرض يجعل المشروع عرضة لإعادة التقييم، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الميزانية الدفاعية، وتعدد الأولويات العسكرية للولايات المتحدة في أكثر من منطقة حول العالم.

كما أن غياب التواصل المنتظم مع شركات الصناعات الدفاعية الكبرى، التي يُفترض أن تنفذ أجزاء واسعة من المشروع، أدى إلى حالة من التردد داخل القطاع. هذه الشركات، ورغم اهتمامها بالعقود المحتملة، تتجنب الاستثمار المسبق في تقنيات مكلفة، في ظل عدم وضوح الرؤية السياسية والمالية للمشروع على المدى المتوسط.

سباق الشركات… وإحباطها

رغم الضبابية، لا تزال شركات الدفاع ترى في "القبة الذهبية" فرصة استثنائية، نظراً لحجم التمويل المرصود والطموح التكنولوجي للمشروع. وقد بدأت بعض الخطوات المحدودة، من خلال منح عقود صغيرة لتطوير مكونات أولية، لا سيما في مجال الصواريخ الاعتراضية الفضائية.

لكن هذا النشاط المحدود لم يخفِ حالة الإحباط السائدة، إذ إن الجزء الأكبر من التمويل لم يُستخدم بعد، ما يترك الشركات في حالة انتظار طويلة، ويجعل التخطيط الصناعي للمشروع محفوفاً بالمخاطر.

الكونغرس يضغط… والبنتاغون يلتزم الصمت

في موازاة ذلك، يتصاعد التململ داخل الكونغرس، حيث يطالب المشرعون بخطة واضحة ومفصلة لكيفية إنفاق الأموال المخصصة. فحتى الآن، لم تُعرض رؤية شاملة توضّح مراحل التنفيذ، والجداول الزمنية، والتكلفة المتوقعة لكل مرحلة، وهو ما اعتبره أعضاء في الكونغرس إخلالاً بمتطلبات الشفافية والمساءلة.

في المقابل، تبرر وزارة الدفاع هذا الغموض باعتبارات أمنية، مشيرة إلى أن الكشف عن تفاصيل المشروع قد يعرّضه لاختراقات استخباراتية، خاصة في ظل تصاعد محاولات استهداف الصناعات الدفاعية الأميركية من قبل خصوم محتملين.

سرية مفرطة وتحديات أمنية

هذه الاعتبارات دفعت البنتاغون إلى تقليص الأنشطة العلنية المرتبطة بالمشروع، والاكتفاء بلقاءات محدودة وغير معلنة مع الشركات المعنية. ورغم أن هذا النهج يهدف إلى حماية المعلومات الحساسة، فإنه ساهم في تعميق فجوة الثقة، وزاد من الشعور بأن المشروع يفتقر إلى قيادة تنفيذية واضحة.

عقدة الحلفاء والجغرافيا

ولا تقتصر التحديات على الداخل الأميركي، إذ يحتاج المشروع إلى تعاون حلفاء رئيسيين لاستخدام مجالات جوية ومواقع استراتيجية في مناطق حساسة، خاصة في القطب الشمالي. غير أن التوترات السياسية والاقتصادية، بما في ذلك الخلافات التجارية، ألقت بظلالها على هذا التعاون، ما أضاف بعداً دبلوماسياً معقداً إلى مشروع تقني بالأساس.

بين الطموح والاختبار الحقيقي

في المحصلة، تقف "القبة الذهبية" اليوم عند مفترق طرق. فإما أن تنجح الإدارة الأميركية في تحويل الوعد السياسي إلى خطة تنفيذية واضحة، مدعومة بتمويل فعلي وتنسيق مؤسسي ودولي، أو أن يبقى المشروع أسيراً للتعقيدات البيروقراطية والرهانات السياسية.

وبينما لا يزال الوقت متاحاً نظرياً لإنقاذ الجدول الزمني المعلن، فإن استمرار التأخير يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كانت "القبة الذهبية" رؤية استراتيجية قابلة للتحقق، أم شعاراً طموحاً اصطدم بحدود الواقع؟

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 9