منذ يوم الجمعة الماضي، عاد اسم جيفري إبستين بقوة إلى صدارة النقاش العام على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام حول العالم، عقب إعلان وزارة العدل الأمريكية، في 30 يناير/كانون الثاني 2026، الكشف عن دفعة جديدة وضخمة من الملفات المرتبطة بالقضية، تضم أكثر من ثلاثة ملايين صفحة من الوثائق، إلى جانب معطيات ومواد وُصفت بأنها غير مسبوقة.
وبينما لم تكن قضية إبستين غائبة يوماً عن الذاكرة العامة، فإن حجم الوثائق المنشورة هذه المرة، وتنوع محتواها، أعادا فتح ملف شائك طالما ارتبط بأسماء وشخصيات نافذة في السياسة والاقتصاد والإعلام. غير أن ما أثار الجدل على نطاق واسع لم يكن مضمون الوثائق فحسب، بل توقيت نشرها، الذي طرح تساؤلات حادة حول الدوافع والخلفيات.
أحد أكثر الأسئلة تداولاً بين المتابعين تمحور حول: لماذا الآن؟ ولماذا اختير هذا التوقيت بالذات لفتح أرشيف بهذا الثقل؟ وهل يتعلق الأمر بمسار قانوني بحت، أم أن هناك حسابات سياسية أو أمنية تقف خلف القرار؟
وتفرّع عن هذه التساؤلات جدل أوسع، ربطه بعض رواد المنصات الرقمية بسياقات دولية متوترة، لا سيما في الشرق الأوسط. وذهب هؤلاء إلى طرح فرضيات ترى أن إعادة إحياء فضائح إبستين قد تكون جزءاً من أدوات الضغط السياسي، أو محاولة للتأثير في قرارات كبرى قيد النقاش داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ويستند هذا الرأي إلى تداول مراسلات ووثائق يرد فيها اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، من دون حسم قانوني أو قضائي بشأن دلالاتها أو صحتها النهائية.
وفي هذا السياق، انتشرت آراء تصف ملفات إبستين بأنها من أكثر الأرشيفات حساسية لدى أجهزة أمنية واستخباراتية كبرى، معتبرة أن مجرد فتحها أمام الرأي العام يطرح علامات استفهام حول ما إذا كان الهدف هو الشفافية، أم توجيه رسائل سياسية غير مباشرة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن مثل هذه الملفات لا تُفتح عادةً بدافع إرضاء الرأي العام، بل تُستخدم في لحظات محسوبة بعناية. ويضيفون أن نشر هذا الكم الهائل من الوثائق دفعة واحدة قد يكون محاولة لصناعة صدمة إعلامية كبرى، تُغرق المتابعين في التفاصيل المثيرة، وتدفعهم إلى التركيز على الفضائح، بدلاً من التوقف عند تحولات سياسية أو قرارات استراتيجية تُتخذ في الخلفية.
في المقابل، يرى فريق آخر من المتابعين أن الربط بين توقيت النشر ونظريات الضغط السياسي قد يكون مبالغاً فيه، مؤكدين أن المسار القانوني للقضية هو العامل الحاسم. ويشير هؤلاء إلى أن جمع وتحليل وتصنيف ملايين الوثائق يحتاج إلى سنوات من العمل، وأن لحظة النشر قد تكون ببساطة نتيجة اكتمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
غير أن هذا الرأي لم يمنع استمرار الشكوك، خصوصاً مع تزامن الكشف عن الملفات مع أحداث دولية متسارعة، ما عزز قناعة البعض بأن التوقيت ليس بريئاً بالكامل. وكتب ناشطون أن التاريخ السياسي والإعلامي مليء بأمثلة استخدمت فيها الفضائح الكبرى لصرف الانتباه عن قرارات مصيرية، أو لتهيئة الرأي العام لتغييرات حساسة.
وفي المنطقة العربية، أعاد هذا الجدل إلى الواجهة نقاشاً قديماً حول قابلية الرأي العام للانشغال بالقضايا الصادمة والتفاصيل المثيرة، على حساب متابعة التحولات الكبرى. واعتبر مدونون أن التركيز المفرط على الفضائح الشخصية، مهما كان حجمها، قد يحجب الرؤية عن ملفات أكثر تأثيراً على مستقبل المنطقة.
في المقابل، شدد آخرون على أن حجم ما كُشف عنه في ملفات إبستين يجعل من الصعب اعتبارها مجرد أداة إلهاء. فوفق ما جرى تداوله، تضم الوثائق ملايين الصفحات، إلى جانب آلاف المقاطع المصورة ومئات الآلاف من الصور، ما يعكس شبكة علاقات معقدة وتشابكات أخلاقية وسياسية عابرة للحدود.
وبين هذا وذاك، يبقى توقيت نشر ملفات إبستين لغزاً مفتوحاً على التأويل. فبين من يراه استحقاقاً قانونياً متأخراً، ومن يقرأه كجزء من لعبة أكبر، يظل المؤكد أن القضية عادت لتفرض نفسها بقوة على الرأي العام العالمي، وأن تداعياتها السياسية والإعلامية لم تتضح فصولها الأخيرة بعد.