الفقر يضغط على الأسر الإسرائيلية

2026.02.01 - 09:12
Facebook Share
طباعة

تكشف بيانات اجتماعية حديثة عن تصاعد مقلق في معدلات الفقر داخل إسرائيل، حيث بات نحو خُمس السكان يعيشون تحت خط الفقر، في مؤشر يعكس تدهوراً متسارعاً في الأوضاع المعيشية، واتساعاً واضحاً في الفجوة بين الشرائح الاجتماعية، وسط تحذيرات من تداعيات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.

ووفق المعطيات الرسمية، ارتفعت نسبة الفقر بين السكان من 20.7% خلال عام 2024 إلى نحو 21% في عام 2025، أي ما يعادل قرابة مليوني شخص. ويأتي هذا الارتفاع رغم ما تصفه الجهات الرسمية بمحاولات دعم اجتماعي، إلا أن الواقع يشير إلى أن هذه الجهود لم تنجح في كبح التدهور، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ نمو الدخل لدى الفئات الضعيفة.

الأطفال في قلب الأزمة

وتُظهر الأرقام أن الأطفال يشكلون الفئة الأكثر تضرراً من اتساع رقعة الفقر، إذ ارتفعت نسبتهم إلى 28.8% من إجمالي الأطفال، بعد أن كانت 27.8% في عام 2023 و28% في عام 2024، ليصل عدد الأطفال الذين يعيشون في أسر فقيرة إلى نحو 880 ألف طفل.

ويعكس هذا الواقع عبئاً مضاعفاً على العائلات، لا سيما الأسر التي تضم أكثر من طفل، حيث تتزايد كلفة التعليم والغذاء والسكن، في مقابل دخول لا تواكب الارتفاع المستمر في الأسعار، ما يهدد بتكريس الفقر عبر الأجيال.

فجوة اجتماعية آخذة في الاتساع

ولا تقتصر الأزمة على ارتفاع عدد الفقراء فحسب، بل تمتد إلى اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء. فقد سجل مؤشر عدم المساواة في توزيع الدخل ارتفاعاً جديداً، ما يعني أن الثروة باتت متركزة بشكل أكبر لدى شريحة محدودة من السكان، بينما تتآكل القدرة الشرائية لغالبية الأسر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن النمو الاقتصادي، إن وُجد، لا ينعكس بصورة عادلة على المجتمع، بل يسهم أحياناً في تعميق التفاوت الاجتماعي، في ظل سياسات لا تعالج جذور الفقر البنيوية.

حدود خط الفقر

وتُظهر البيانات أن خط الفقر للفرد الواحد يبلغ نحو 3,547 شيكلاً شهرياً، في حين يصل إلى أكثر من 11,300 شيكل لأسرة مكونة من أربعة أفراد. ومع ذلك، فإن شريحة واسعة من الأسر الفقيرة لا تقترب حتى من هذه المستويات، ما يضعها في حالة عوز دائم ويحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية.

وتستند هذه الأرقام إلى سجلات إدارية شاملة، ما يمنحها دقة أكبر مقارنة بالمسوح التقليدية، ويعزز خطورة المؤشرات التي تعكسها.

الأسر بلا عمل الأكثر هشاشة

وتكشف المعطيات أن الفقر يتركز بشكل خاص في الأسر التي لا يعمل فيها أي فرد، حيث تصل نسبة الفقر في هذه الشريحة إلى أكثر من ثلثي الأسر. وفي المقابل، تنخفض النسبة إلى نحو 22% في الأسر ذات المعيل الواحد، وإلى أقل من 9% في الأسر التي يعمل فيها شخصان.

وتبرز هذه الفجوة الدور الحاسم لسوق العمل في الحد من الفقر، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات حول جودة الوظائف المتاحة، ومستوى الأجور، وقدرتها على تأمين حياة كريمة.

كبار السن… استثناء نسبي

وعلى عكس الاتجاه العام، تسجل نسبة الفقر بين كبار السن مستويات أقل نسبياً، لا تتجاوز 12.5%، ويُعزى ذلك إلى انتشار أنظمة المعاشات ورفع مخصصات استكمال الدخل. غير أن خبراء يحذرون من أن هذا الاستقرار قد يكون هشاً في حال تآكل قيمة المخصصات بفعل التضخم.

“الفقراء أصبحوا أفقر”

ومن أخطر ما تكشفه البيانات هو ما يُعرف بـ”عمق الفقر”، أي مقدار ابتعاد دخل الأسر الفقيرة عن خط الفقر. فقد ارتفع هذا المؤشر بشكل لافت، ما يعني أن دخول الفقراء لم تعد فقط دون خط الفقر، بل باتت أبعد عنه بكثير.

كما ارتفع مؤشر شدة الفقر، وهو ما يعكس تدهوراً نوعياً في أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، ويؤكد أن الأزمة لا تتعلق بالأرقام المجردة فقط، بل بنوعية الحياة ومستوى الحرمان.

انعدام الأمن الغذائي

وتُظهر الأرقام أن أكثر من ربع السكان عاشوا خلال العام الماضي في حالة انعدام أمن غذائي، بينهم قرابة 10% في حالة شديدة تعادل الجوع الفعلي. ورغم تسجيل تحسن طفيف مقارنة بالعام السابق، إلا أن الأعداد المطلقة لا تزال مرتفعة، وتشمل مئات آلاف الأسر وملايين الأفراد، من بينهم نحو مليون طفل.

تحذيرات من انفجار اجتماعي

وتصف جهات بحثية واجتماعية هذه المؤشرات بأنها “جرس إنذار” لصناع القرار، محذرة من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى أزمات اجتماعية أعمق، تشمل تراجع الثقة بالمؤسسات، وازدياد الاعتماد على المساعدات، وتآكل التماسك الاجتماعي.

وتدعو هذه الجهات إلى تبني سياسة شاملة لمكافحة الفقر، تقوم على إعادة النظر في مخصصات الإعاشة، ودعم العمال ذوي الأجور المنخفضة، وتعزيز فرص العمل المستقرة، بدلاً من الاكتفاء بحلول جزئية ومؤقتة.

أزمة تتجاوز الأرقام

وتضع هذه المعطيات إسرائيل في موقع متقدم بين الدول المتقدمة من حيث معدلات الفقر، ما يثير تساؤلات حول نموذجها الاقتصادي والاجتماعي، وقدرته على تحقيق العدالة وتوفير الحد الأدنى من الأمان المعيشي لجميع السكان.

وبينما تتزايد التحذيرات، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت السياسات المقبلة ستنجح في وقف هذا التدهور، أم أن الفقر سيواصل تمدده ليصبح إحدى أبرز أزمات المجتمع الإسرائيلي في السنوات القادمة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 7