تسريبات قضائية تربك السياسة الأمريكية

2026.02.01 - 09:09
Facebook Share
طباعة

 أعادت دفعة جديدة من الوثائق القضائية المتعلقة بقضية جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية واسعة النطاق، فتح ملف بالغ الحساسية في الولايات المتحدة، بعدما كشفت عن شبكة علاقات معقدة ربطت إبستين بشخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية نافذة، في تطور أثار جدلاً واسعاً حول حدود المساءلة، وانتقائية العدالة، وحجم ما لا يزال مخفياً عن الرأي العام.

وتضم الوثائق التي أُفرج عنها ملايين الصفحات، إلى جانب آلاف المقاطع المصورة والصور، وتشكل آخر مراحل الإفصاح الرسمي المقررة ضمن مسار قانوني امتد لسنوات. ورغم أن كثيراً من المواد جاءت مجتزأة أو غير مكتملة السياق، فإنها سلطت الضوء مجدداً على علاقات إبستين الواسعة، وعلى طبيعة حضوره في دوائر القرار والنفوذ.


عودة قضية لم تُغلق
جيفري إبستين، الذي وُجهت إليه اتهامات بإدارة شبكة استغلال جنسي لقاصرات، وعُثر عليه ميتاً في زنزانته عام 2019، ظل اسمه حاضراً في الجدل الأميركي حتى بعد وفاته. ومع كل دفعة جديدة من الوثائق، تتجدد الأسئلة حول حجم التواطؤ، ومن كان يعلم، ومن صمت، ومن استفاد من شبكة العلاقات التي بناها إبستين على مدار سنوات.

وتكشف الإفصاحات الأخيرة مراسلات واتصالات تعكس قرب إبستين من شخصيات بارزة في عالم السياسة والمال، دون أن تشكل بالضرورة دليلاً قانونياً على تورط جنائي، لكنها تثير تساؤلات أخلاقية وسياسية عميقة حول طبيعة هذه العلاقات، ولماذا استمرت حتى بعد إدانته الأولى عام 2008.


نفي ومواقف دفاعية
ضمن الأسماء التي وردت في الوثائق، برز اسم رجل الأعمال الأميركي المعروف بيل غيتس، حيث تضمنت الملفات مراسلات وادعاءات تتعلق بعلاقات شخصية مزعومة. وسارع غيتس، عبر متحدث باسمه، إلى نفي هذه الادعاءات بشكل قاطع، واصفاً إياها بأنها غير صحيحة ولا تستند إلى وقائع.

وتُظهر هذه الحالات نمطاً متكرراً في الوثائق، حيث تَرِد أسماء شخصيات عامة ضمن سياق مراسلات أو دعوات أو لقاءات، من دون أن تكون مصحوبة دائماً بأدلة على ارتكاب أفعال غير قانونية، وهو ما يجعل التعامل مع هذه الإفصاحات بالغ التعقيد من الناحية القانونية والإعلامية.


شخصيات ملكية وسياسية
ومن بين ما أثار اهتماماً واسعاً، ما كشفته الوثائق عن تواصل إبستين مع شخصيات مرتبطة بالعائلة الملكية البريطانية، من خلال رسائل تعود إلى فترة ما بعد إدانته، وتضمنت تعبيرات ودية أثارت انتقادات حادة عند الكشف عنها لاحقاً.

كما شملت الإفصاحات مراسلات بين إبستين ومسؤولين سياسيين سابقين في دول مختلفة، تناولت قضايا عامة وأخرى شخصية، ما أعاد الجدل حول قدرة إبستين على الحفاظ على علاقات نافذة رغم سجله القضائي.


إشارات استخباراتية وغموض متعمد
وتضمنت الوثائق إشارات إلى نقاشات حول أجهزة استخبارات، من دون تقديم أدلة حاسمة، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات إعلامية واسعة. غير أن الردود الواردة في المراسلات، أو غيابها أحياناً، عكس حرصاً واضحاً على تجنب التورط في أي توضيحات مكتوبة، ما زاد من الغموض المحيط بالقضية.

ويرى مراقبون أن هذا الغموض لم يكن عرضياً، بل يعكس طبيعة العلاقات التي بناها إبستين، والتي اعتمدت على النفوذ والوساطة والقدرة على الوصول، أكثر من اعتمادها على أدوار رسمية واضحة.


وفاة مثيرة للجدل
ولم تخلُ الوثائق الجديدة من إعادة طرح علامات استفهام حول وفاة إبستين داخل السجن. فعلى الرغم من أن التحقيقات الرسمية خلصت إلى أن الوفاة كانت انتحاراً، فإن بعض المراسلات بين محققين أظهرت شكوكاً أولية بشأن ملابسات الحادث.

كما كشفت السجلات عن إجراءات أمنية وإدارية أُحيطت بعملية نقل الجثمان، ساهمت في تضليل وسائل الإعلام، ما عزز نظريات التشكيك، حتى وإن لم تُثبت رسمياً وجود شبهة جنائية.


علاقات مع رجال أعمال وسياسيين
وتطرقت الوثائق إلى تواصل إبستين مع عدد من رجال الأعمال البارزين، من بينهم شخصيات في قطاع التكنولوجيا، إضافة إلى سياسيين ومستشارين مقربين من مراكز القرار في واشنطن. وتنوعت هذه المراسلات بين دعوات، ونقاشات عامة، وأحاديث سياسية، بعضها اتسم بطابع ودي لافت.

غير أن كثيراً من هذه الشخصيات نفت لاحقاً استمرار أي علاقة مع إبستين بعد انكشاف قضيته، مؤكدة أنها قطعت التواصل معه منذ سنوات، أو أن العلاقة كانت محدودة ومهنية.


غضب الضحايا
في المقابل، عبّر عدد من ضحايا إبستين عن استيائهم من طريقة نشر الوثائق، معتبرين أن الإفصاحات المتتالية لا تزال تحمي شركاء محتملين في الجرائم، بينما تُكشف تفاصيل حساسة عن الضحايا أنفسهم.

وأكدت مجموعات من الضحايا أن العدالة لم تتحقق بعد، وأن القضية لا ينبغي أن تُختزل في نشر وثائق غير مكتملة، بل في محاسبة كل من ساهم أو تستر أو استفاد من شبكة الاستغلال.


ملف مفتوح
وتؤكد هذه التطورات أن قضية إبستين لم تُغلق بعد، لا على المستوى القضائي ولا على مستوى الرأي العام. فكل دفعة جديدة من الوثائق تعيد طرح أسئلة محرجة حول النفوذ، والحصانة غير المعلنة، وحدود الشفافية في النظام السياسي الأميركي.

وبين نفي الشخصيات المتورطة، وغضب الضحايا، وغموض كثير من التفاصيل، يبقى ملف إبستين مرآة تعكس جانباً مظلماً من تداخل السلطة بالمال، وتطرح تحدياً مستمراً أمام العدالة في مواجهة النخب.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 4