منصب محافظ الحسكة في واجهة التفاهمات

2026.02.01 - 08:47
Facebook Share
طباعة

 تشهد محافظة الحسكة تطوراً سياسياً لافتاً في إطار التفاهمات الجارية حول إدارة المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية، حيث برز ملف منصب محافظ الحسكة كأحد العناوين الأساسية في المرحلة الحالية، في ظل الحديث عن تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار والتفاهمات الإدارية المرتبطة به.

وبحسب معلومات متداولة في الأوساط السياسية، طرحت “قوات سوريا الديمقراطية” مرشحها لتولي منصب محافظ الحسكة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ سنوات، وتعكس توجهاً نحو إعادة تنظيم العلاقة الإدارية بين الدولة السورية والمناطق ذات الخصوصية السياسية والأمنية في شمال شرقي البلاد.

وتشير المعطيات إلى أن المرشح المطروح هو شخصية معروفة في المحافظة، شغل سابقاً مناصب إدارية وأمنية، ويتمتع بحضور ونفوذ محليين، إضافة إلى انحداره من عائلة لها علاقات وثيقة مع قوى سياسية كردية فاعلة في المنطقة. ويُنظر إلى هذا الترشيح بوصفه اختباراً عملياً لمدى قابلية الأطراف المختلفة للانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة الترتيبات الإدارية والسياسية.

ويأتي هذا التطور في سياق أوسع يتصل بمبدأ الإدارة المحلية، الذي تنص عليه القوانين السورية النافذة، ولا سيما قانون الإدارة المحلية رقم 107، والذي يؤكد على منح المجالس المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، بما في ذلك اختيار المحافظين من أبناء المحافظات أنفسهم، وفق آليات قانونية محددة ومن خلال المجالس المعتمدة.

وفي هذا الإطار، ترى جهات رسمية أن أي خطوة تتعلق بتعيين محافظ الحسكة يجب أن تنطلق من هذا الأساس القانوني، بما يضمن الحفاظ على وحدة الدولة، وفي الوقت نفسه الاستجابة للخصوصيات المحلية والديموغرافية للمحافظة، التي تضم مزيجاً متنوعاً من المكونات القومية والاجتماعية.

ويُنظر إلى طرح مرشح من قبل “قسد” على أنه رسالة سياسية تحمل أكثر من دلالة؛ فمن جهة، تعكس رغبة في لعب دور مباشر في إدارة المحافظة ضمن إطار الدولة، ومن جهة أخرى تسعى إلى طمأنة القاعدة الشعبية المحلية، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية، بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تمثيلاً أوسع في مؤسسات الحكم المحلي.

في المقابل، تؤكد مواقف رسمية أن الدولة السورية لا تعارض مبدأ إسناد المناصب الإدارية لشخصيات من أبناء المناطق نفسها، بما في ذلك شخصيات كردية، شريطة الالتزام بالقانون، والعمل ضمن مؤسسات الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى. وتعتبر هذه المقاربة جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الانتماء الوطني، وإعادة دمج المناطق المختلفة في الإطار الإداري للدولة.

ويرى مراقبون أن محافظة الحسكة تمثل حالة خاصة، نظراً لموقعها الجغرافي الحساس، وتعدد القوى الفاعلة فيها، إضافة إلى ثقلها الاقتصادي والزراعي. ولذلك فإن أي تغيير في بنيتها الإدارية لا يمكن فصله عن التوازنات الأمنية والسياسية القائمة، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.

كما يلفت محللون إلى أن نجاح هذه الخطوة، في حال تم المضي بها، يتوقف على عدة عوامل، أبرزها قدرة المحافظ الجديد – إن تم تعيينه – على لعب دور توافقي، وإدارة المحافظة بطريقة تراعي تنوعها الاجتماعي، وتحد من التوترات، وتفتح الباب أمام تحسين الواقع الخدمي والمعيشي للسكان، الذين عانوا طويلاً من آثار الصراع والانقسام الإداري.

وفي الوقت نفسه، تبقى هذه التطورات موضع متابعة دقيقة، في ظل تساؤلات حول آليات التنفيذ، وحدود الصلاحيات، ومستقبل العلاقة بين الإدارة الذاتية القائمة حالياً ومؤسسات الدولة الرسمية. ويبدو أن ملف الحسكة، بما يحمله من تعقيدات، سيكون أحد النماذج التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة في سوريا، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة ترتيب الإدارة المحلية وبناء الثقة بين مختلف المكونات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 1