تشهد الساحة الليبية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا من قبل دول الجوار العربي والولايات المتحدة الأميركية، بهدف كسر الجمود في بلد منقسم سياسياً ومثقل بالصراعات الداخلية والإقليمية وتشير مصادر متابعة إلى أن هذه التحركات متعددة الأبعاد قد تساهم في إعادة ترتيب التوازنات المحلية والإقليمية، مع تقديم مقاربة عملية ترتكز على واقع سياسي قائم، ووجود ضامن محايد، وربط الأطراف بمصالح اقتصادية، كبديل عن المسارات السياسية التقليدية المتعثرة.
اجتماع تونس الثلاثي:
في العاصمة التونسية، انعقد اجتماع تشاوري ضم وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، بحضور هانّا تيتيه، المبعوثة الأممية الخاصة إلى ليبيا، لاستئناف آلية التشاور الثلاثي التي تم تدشينها عام 2017 وتوقفت عام 2019 قبل أن تعاود نشاطها في مايو الماضي. ركز الاجتماع على معالجة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بما يشمل تفكيك الجماعات المسلحة في الغرب الليبي، انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب، وتجاوز الانقسامات المؤسسية.
وشدد البيان الختامي على أهمية إبقاء ليبيا بعيدة عن التدخلات الخارجية، ودعم توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، والمضي نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في توقيت واحد، كخطوة لإنهاء الانقسام وتعزيز شرعية الدولة.
مواقف طرابلس والمجلس الرئاسي:
أبدت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس تحفظها على انعقاد أي اجتماعات تتعلق بالشأن الليبي دون مشاركة الدولة الرسمية، مؤكدة ضرورة إشراك وزارة الخارجية في أي ترتيبات أو مشاورات سياسية. من جهته، أشار المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي إلى وجود آلية تشاور ونقاط اتصال مع الجزائر وتونس لتطوير التعاون الحدودي والأمني، مع إمكانية توسيع هذه الآلية لتشمل جميع دول الجوار العربي.
يرى بعض المحللين الليبيين، مثل عبد الرحمن الفيتوري، أن الموقف الطرابلسي يعكس حساسية متزايدة تجاه أي صيغة قد تُفهم على أنها ترتيبات خارجية دون حضور رسمي ليبي، فيما يؤكد زياد سلطان، منسق فريق الحوار والمصالحة السياسي، أهمية التحركات الإقليمية لتحريك الجمود، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية والدولية.
الأبعاد الاقتصادية والأمنية
تزامنت التحركات الدبلوماسية مع القمة الليبية للطاقة والاقتصاد في طرابلس، بمشاركة وفد أميركي رفيع المستوى، تمثله مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية، إلى جانب ممثلي شركات أميركية في قطاع الطاقة، والجانب المصري ممثلاً في وزير البترول كريم بدوي. يشير محللون إلى أن التحركات الأميركية والمصرية تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط والطاقة، وضمان استقرار القطاع النفطي، دون الانحياز لطرف سياسي محدد.
يركز الجانب الأميركي على تقييم موازين القوى في الداخل الليبي، مع ترك هامش من المناورة، بينما تعمل المقاربة المصرية على الفصل بين التعاون الاقتصادي والخلافات السياسية، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويدعم مصالحها الاستراتيجية في ليبيا.
التحديات الداخلية:
يبقى الانقسام بين حكومتين في ليبيا، حكومة الوحدة الوطنية في الغرب برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الشرق برئاسة أسامة حماد المدعومة من مجلس النواب والمشير خليفة حفتر، عامل ضغط رئيسي هذا الانقسام أدى إلى تشظٍ في المؤسسات السيادية وتدهور العملية السياسية. يؤكد خبراء إلى أن نجاح أي تحرك دولي أو إقليمي مرتبط بوجود آلية تنفيذية قادرة على تطبيق القرارات والمخرجات، وليس فقط بحسن نية الأطراف الفاعلة.
تتضمن الأولويات انسحاب المرتزقة، تفكيك الجماعات المسلحة، وضمان مشاركة الدولة الليبية الرسمية في أي ترتيبات، إلى جانب دعم إجراء انتخابات متزامنة لتوحيد المؤسسات.
تحركات الدبلوماسية العربية والأميركية في ليبيا تعكس محاولات لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني والاقتصادي، مع الحفاظ على مصالح دول الجوار والمنظمات الدولية. وتبرز الحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة لتحقيق توافق داخلي، وضمان انسحاب المرتزقة، وإتمام الانتخابات، بما يعزز شرعية الدولة ويوفر قاعدة لاستقرار مستدام داخل ليبيا والمنطقة.