تفجير التليل: العدالة أمام الفاجعة اللبنانية

2026.01.31 - 01:03
Facebook Share
طباعة

انتهى المجلس العدلي اللبناني من ملف تفجير التليل، بعد أكثر من أربعة أعوام ونصف على الانفجار الهائل الذي وقع في خزان للوقود في الخامس عشر من أغسطس/آب 2021، وأسفر عن سقوط عشرات الضحايا وإصابة المئات، وسط فوضى شديدة وحالة من الإهمال والفساد التي كانت سائدة حينها وقد حدّد المجلس برئاسة القاضي سهيل عبود، جلسة الحكم يوم الاثنين 30 آذار المقبل، بعد أن ختم المحاكمة وأعاد توقيف المتهمين جورج إبراهيم وعلي الفرج، الذين أُخلِوا سبيلهما سابقًا، إلى جانب الموقوفين الآخرين ريتشارد إبراهيم وجرجي إبراهيم والمدعى عليهم هويدي الأسعد وباسل الأسعد وبيار إبراهيم وكلود إبراهيم.
وتبرز القضية في سياق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها لبنان منذ 17 تشرين الأول 2019، وتصاعدت خلال جائحة كورونا وشح الأدوية والغلاء الاستشفائي، لتضيف أزمة المحروقات صعوبة جديدة على حياة اللبنانيين ومع قرار مصرف لبنان رفع الدعم عن استيراد المحروقات في صيف 2021، تحولت محطات الوقود إلى ساحات نزاع، واصطف المواطنون في طوابير طويلة للحصول على البنزين، ما خلق بيئة ملائمة للاستغلال من قبل بعض التجار والفصائل التي حاولت الاستفادة من الأزمة.
أظهرت جلسات المحاكمة أن جورج إبراهيم وعلي الفرج عمدوا إلى تخزين البنزين في مكان مكشوف دون أي تدابير احترازية، مستغلين الفوضى الناجمة عن نقص الوقود وغياب الرقابة الفعلية من الأجهزة الأمنية والعسكرية. وعند تجمع المئات من المواطنين لتعبئة الوقود، تصاعدت التوترات، وأدى تهور المتهمين، لا سيما ريتشارد إبراهيم الذي كان يحمل مسدسًا، إلى اندلاع النار، وأمر جرجي إبراهيم باستخدام قدّاحة لإشعال البنزين، ما تسبب بانفجار هائل أودى بحياة عشرات العسكريين والمدنيين وأصاب المئات بحروق متفاوتة.
ممثلة النيابة العامة التمييزية، القاضية ميرنا كلاس، وضعت الانفجار في سياق الانهيار الأخلاقي والاقتصادي في لبنان، معتبرة أن الفاجعة لم تكن مجرد حادث فردي، بل نتاج تراكم الأزمات منذ 2019، وغياب تطبيق القانون، واحتكار المحروقات من قبل قلة، إضافة إلى ضعف الرقابة على المواد الخطرة وأكدت أن هذه الأزمة شكلت امتدادًا للفاجعة الوطنية السابقة، مثل انفجار 4 آب 2020 في مرفأ بيروت، مما يبرز أن لبنان يعاني أزمة نظامية في الأمن والرقابة على الموارد الحيوية.
من جانب آخر، حمّل بعض وكلاء الدفاع، من بينهم المحامي علي أشمر والمحامي صخر الهاشم، الجيش مسؤولية الانفجار جزئيًا، معتبرين أن عدم التزامه بقرار النيابة العامة التمييزية بتحديد كيفية مصادرة المواد النفطية وتوزيعها ساهم في نشوء الفوضى وطالبوا بالتحقيق في الضباط الذين أدلوا بشهاداتهم، معتبرين أن بعض الشهادات لم تعكس الحقيقة بشكل كامل، في حين ركّزت جهات الدفاع الأخرى على تسليط الضوء على السلطة السياسية وإجراءاتها وقت الأزمة، مؤكدة أن الانفجار هو نتيجة تراكم الإهمال والفشل المؤسسي.
كما طرحت محاميات الدفاع وجهات نظر مختلفة حول المسؤولية القانونية لكل متهم وأكدت المحامية جوسلين الراعي، ووكيلة علي الفرج، أن موكلها كان يوزع المحروقات وفق رخص، وأن براءته مستمدة من عدم تورطه المباشر في الأحداث التي تسببت بالانفجار وأوضحت محامية أخرى أن هويدي الأسعد لم يكن طرفًا في التخزين، وأن السيارة التي استخدمها كانت لأغراض شخصية وليست أداة جرمية.
المحكمة استمعت أيضًا إلى مرافعات أهالي الضحايا، التي وصف فيها النقيب محمد المراد الانفجار بأنه جريمة إنسانية وجريمة جشع، مستعرضًا كيف استغل المتهمون الظروف الصعبة في البلد منهار اقتصاديًا وماليًا، سعياً وراء الربح على حساب أرواح المواطنين. أشارت المرافعات إلى أن الانفجار لم يكن مجرد حادث عرضي، وانما نتيجة تصميم مسبق وخطأ جسيم في التعامل مع مادة خطرة دون أي تدابير حماية، ما يجعل الحدث أقرب إلى الإرهاب المتعمد، بحسب النيابة العامة.
الانفجار الهائل في التليل، وفق التحليل القضائي، يمثل نموذجًا للفساد والاستغلال في لبنان، ويعكس هشاشة النظام الرقابي في مواجهة الأزمات المركبة التي تشمل الفساد، وانعدام سيطرة الدولة، وانهيار منظومة الدعم، والفشل في حماية المواطنين أثبتت المحاكمة أن الانفجار لم يكن نتيجة حادثة عرضية فحسب، بل تضافرت فيه أخطاء فردية وجماعية، وأخطاء مؤسسية، لتنتج فاجعة كبيرة هزت المجتمع اللبناني بأسره.
مع اقتراب جلسة الحكم المقررة في 30 آذار، يترقب اللبنانيون قرار المجلس العدلي بفارغ الصبر، بعد أن كشف الملف عن مزيج من الإهمال، والفشل المؤسسي، والاستغلال المالي، والفوضى الأمنية التي كانت سائدة وقت الانفجار. يرى المراقبون أن الحكم سيشكل اختبارًا للعدالة في مواجهة كوارث ناتجة عن تراكم الأزمات في بلد يعاني أزمات اقتصادية واجتماعية متواصلة، ومصداقية القضاء في تحقيق الردع والإنصاف لجميع الضحايا وعائلاتهم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 3