عاد شبح تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) ليخيّم مجددًا على المشهد السوري، في ظل تحذيرات غربية متزايدة من احتمال عودة نشاط التنظيم، بعد تقارير عن هروب مقاتلين من مخيمات اعتقال في شمال شرق سوريا، وسط تحولات ميدانية وأمنية عميقة تشهدها المنطقة.
وتخشى دول غربية شريكة في التحالف الدولي لمحاربة داعش من أن يؤدي أي تراجع في الإجراءات الأمنية، سواء من جانب القوات الحكومية في دمشق أو القوات الكردية السابقة المسيطرة على المنطقة، إلى تفاقم الخطر، وفتح الباب أمام فراغ أمني قد يستغله التنظيم لإعادة تنظيم صفوفه.
تحذيرات غربية من “فراغ أمني”
وفي بيان مشترك، دعت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى تجنب حدوث أي فراغ أمني في شمال شرق سوريا، والتأكيد على ضرورة استمرار الجهود الدولية لمحاربة تنظيم داعش، محذّرة من أن أي تراجع أو ارتباك في إدارة الملف الأمني قد ينعكس مباشرة على الاستقرار الإقليمي.
وجاءت هذه التحذيرات على خلفية التوتر المتصاعد في شمال شرق سوريا، حيث انسحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي يهيمن عليها الأكراد، من مناطق واسعة تحت ضغط عسكري وسياسي من الحكومة السورية، ما أدى إلى انتقال السيطرة على عدد من مخيمات الاعتقال إلى دمشق.
مخيمات اعتقال بؤرة خطر مزمنة
خلال سنوات الحرب السورية، أنشأت القوات الكردية عددًا كبيرًا من مخيمات الاعتقال في شمال شرق البلاد، خُصصت لاحتجاز مقاتلي تنظيم داعش وأفراد عائلاتهم. وتشير التقديرات إلى أن هذه المخيمات كانت تضم نحو تسعة آلاف شخص، بينهم رجال ونساء وأطفال، كثير منهم قضوا سنوات طويلة في ظروف معيشية قاسية.
ومع اندلاع اشتباكات عنيفة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ثم الدخول في مفاوضات انتهت بانتقال السيطرة إلى الحكومة السورية، سادت حالة من الفوضى داخل بعض هذه المخيمات، ما فتح الباب أمام عمليات هروب جماعي.
وتتضارب الأرقام بشأن عدد الفارين؛ إذ تتحدث الحكومة السورية عن هروب نحو 120 مقاتلًا فقط، في حين تشير مصادر كردية إلى أن العدد قد يصل إلى 1500 شخص. وأعلنت دمشق أنها أعادت اعتقال نحو 80 عنصرًا حتى الآن، غير أن الشكوك لا تزال قائمة حول العدد الحقيقي للهاربين.
نقل معتقلي داعش إلى العراق
بالتوازي مع ذلك، كشفت تقارير عن قيام القوات الأمريكية بنقل أول دفعة من معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، حيث من المقرر احتجازهم هناك في المستقبل. ويهدف هذا الإجراء، بحسب الرواية الأمريكية، إلى تخفيف العبء عن قوات الأمن السورية، التي أصبحت مسؤولة عن إدارة المخيمات والسجون في المناطق المستعادة.
ويأتي هذا التطور بعد معارك ضارية بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية، وبعد تغير واضح في توازن القوى الميداني في شمال شرق البلاد، ما دفع واشنطن إلى إعادة تقييم دورها وشركائها على الأرض.
السياسة الأمريكية: تباعد عن الأكراد وتقارب مع دمشق
وفي هذا السياق، تشير تقارير إعلامية إلى اتصال هاتفي جرى بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، شدد خلاله الأخير على أهمية التعاون الدولي لمنع عودة التنظيمات الإرهابية إلى سوريا.
ويرى محللون أن نقل معتقلي داعش إلى العراق يعكس تحوّلًا ملموسًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. فبعد سنوات من الاعتماد الكبير على قوات سوريا الديمقراطية كشريك رئيسي في محاربة داعش، يبدو أن واشنطن باتت ترى في الحكومة السورية الجديدة شريكًا يمكن التعويل عليه.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن الولايات المتحدة تعتقد الآن أن دور “قسد” قد استُكمل إلى حد كبير، وأن المرحلة المقبلة تتطلب دعم مؤسسات الدولة السورية، ولو بحذر، لضمان استقرار المناطق المستعادة ومنع عودة الجماعات المتطرفة.
ضغوط إقليمية على الأكراد
ولا يقتصر الضغط على قوات سوريا الديمقراطية على الجانب الأمريكي فقط، بل يمتد إلى أطراف إقليمية فاعلة، أبرزها تركيا والسعودية، اللتان تدعمان فكرة بسط سيطرة الحكومة السورية على كامل الأراضي السورية.
لكن هذه الأطراف، وفق محللين، لا ترغب في أن يكون هذا الانتقال على حساب الأمن، إذ إن أي انفلات أمني قد يمنح تنظيم داعش فرصة لإعادة بناء شبكاته، وهو سيناريو لا يخدم مصالح أي طرف.
شكوك حول قدرات القوات الحكومية
في المقابل، لا يخلو المشهد من شكوك جدية بشأن قدرة القوات الحكومية السورية على إدارة هذا الملف المعقد. فبعض الخبراء يشيرون إلى مخاوف أمريكية وأوروبية تتعلق بالقدرات اللوجستية والأمنية للحكومة الانتقالية، فضلًا عن هواجس أعمق تتعلق بإمكانية وجود تعاطف أيديولوجي مع الفكر الجهادي داخل بعض الوحدات الأمنية.
ويرى مختصون أن هذا العامل قد يؤدي إلى تفاوت في مستوى التعامل مع معتقلي داعش مقارنة بما كان عليه الحال في ظل سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، رغم الإقرار بأن الخطاب السياسي للحكومة السورية الجديدة شهد تراجعًا ملحوظًا في حدته الأيديولوجية خلال الأشهر الأخيرة.
مخاطر السجون العراقية
لكن نقل معتقلي داعش إلى العراق لا يخلو بدوره من المخاطر. إذ يحذر خبراء من أن السجون العراقية سبق أن شكلت بيئة خصبة لنشوء تنظيم داعش في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، نتيجة اختلاط معتقلين متشددين وتبادل الخبرات بينهم.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي احتجاز مقاتلين قادمين من سوريا إلى جانب سجناء متطرفين محتجزين منذ سنوات إلى إعادة إنتاج ظروف مشابهة، قد تفضي إلى نشوء شبكات جهادية جديدة داخل السجون.
جيل جديد مهدد بالتطرف
ولا يقل القلق بشأن النساء والأطفال الذين ما يزالون محتجزين في المخيمات داخل سوريا. فرغم توفير الحد الأدنى من البنية التحتية، فإن غياب برامج تعليمية حقيقية أو جهود فعالة لمكافحة التطرف جعل هذه المخيمات أرضًا خصبة لانتشار أيديولوجية داعش.
ويحذر مختصون من أن الأطفال والشباب الذين نشأوا في هذه البيئة قد يكونون الأكثر عرضة للتأثر بالفكر المتطرف، ما يشكل تهديدًا طويل الأمد يتجاوز الحدود السورية.
هل يمتد الخطر إلى أوروبا؟
في هذا السياق، تبدو بعض الدول الأوروبية، ومنها ألمانيا، مترددة في استعادة مواطنيها المحتجزين في المخيمات السورية، خشية التبعات الأمنية والسياسية في حال تورط هؤلاء لاحقًا في أعمال إرهابية.
ورغم أن تنظيم داعش لم يعد يتمتع بالقدرات العالمية التي كان يمتلكها سابقًا، إلا أن خطره لم يختفِ بالكامل. فالهاربون من مقاتليه يشكلون تهديدًا مباشرًا للسكان المدنيين في سوريا، وقد يشكلون على المدى المتوسط خطرًا عابرًا للحدود إذا لم تتم السيطرة على الوضع أمنيًا وفكريًا.
خلاصة المشهد
بين تغيّر التحالفات، وتضارب المصالح الإقليمية، وهشاشة الأوضاع الأمنية، يبقى ملف معتقلي داعش أحد أخطر التحديات في مرحلة ما بعد الصراع في سوريا. فنجاح الحكومة السورية وحلفائها في إدارة هذا الملف سيحدد إلى حد بعيد ما إذا كان التنظيم سيبقى صفحة من الماضي، أم أنه قد يجد طريقه مجددًا إلى الساحة.