مع مطلع عام 2026، وبالتوازي مع التغيّرات المتسارعة في خريطة السيطرة شرق نهر الفرات، بدأت تتكشف واحدة من أكثر الملفات العسكرية تعقيدًا وخطورة في محافظة الحسكة، ملفٌ ظل لسنوات حبيس باطن الأرض، قبل أن يظهر إلى السطح كأحد أبرز التحديات الأمنية والبيئية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الصراع.
ففي الوقت الذي ما تزال فيه مدينتا الحسكة والقامشلي تخضعان لتوازنات أمنية حساسة، أدت سيطرة الحكومة السورية مؤخرًا على مساحات واسعة من أرياف الحسكة الجنوبية والشرقية، إلى كشف شبكة ضخمة من الأنفاق الخرسانية، نُفذت على مراحل طويلة، وبمواصفات هندسية غير تقليدية، في مناطق تُعد من أكثر الأراضي الزراعية خصوبة في البلاد.
هذه الشبكة، التي وصفها مختصون بأنها “مدن تحت الأرض”، لم تقتصر وظيفتها على التحصّن العسكري أو الاحتماء من الضربات الجوية، بل شكّلت مشروعًا عسكريًا متكاملًا، استنزف موارد اقتصادية هائلة، ويُنظر إليه اليوم بوصفه إرثًا ثقيلًا يهدد البنية التحتية والنشاط الزراعي في محافظة تُعرف تاريخيًا بأنها “سلة سوريا الغذائية”.
جغرافيا الأنفاق: تخطيط دقيق لا حفر عشوائي
التحقيقات الميدانية الأولية أظهرت أن شبكة الأنفاق لم تُحفر بشكل عشوائي أو ارتجالي، بل جاءت ضمن مخطط دفاعي ولوجستي دقيق. ففي الريف الشرقي للحسكة، الممتد من الهول مرورًا بتل حميس وتل براك وصولًا إلى أطراف اليعربية، كُشفت أنفاق حُفرت بعمق يتراوح بين 8 و12 مترًا، ما وفر لها حماية عالية من القصف الجوي والأسلحة الارتجاجية.
أما في الريف الجنوبي، ولا سيما في محيط الشدادي ومركدا، فقد اتخذت الأنفاق طابعًا لوجستيًا أوضح، حيث رُصدت ممرات واسعة نسبيًا، صُممت بما يسمح بمرور دراجات نارية وسيارات صغيرة معدّلة، وتربط بين حقول نفطية ومواقع قيادة ومستودعات ذخيرة سابقة.
ويُقدَّر الطول الإجمالي لهذه الشبكة في المناطق التي خضعت مؤخرًا لسيطرة الحكومة بعشرات الكيلومترات، وهي مزودة بفتحات تهوية وتمويه مخفية داخل منازل مهجورة، أو مزارع دواجن ومواشٍ، ما جعل اكتشافها خلال السنوات الماضية أمرًا بالغ الصعوبة.
سكان فوق أرض منخورة
بالنسبة لسكان القرى التي بُنيت فوق هذه الأنفاق، لم يكن المشروع العسكري مجرد منشأة سرية، بل مصدر قلق يومي امتد لسنوات. فقد تحدث عدد من الأهالي عن تشققات غامضة في المنازل، وانخفاض تدريجي في منسوب المياه الجوفية، دون تفسير واضح في حينه.
أبو راشد، وهو مزارع خمسيني من قرية قريبة من حقول الجبسة، يقول إنهم اعتادوا رؤية شاحنات إسمنت وحديد تدخل مناطق مغلقة، دون معرفة الغاية منها. “كنا نظن أنها تحصينات عسكرية فوق الأرض، لكن بعد انسحاب القوات، اكتشفنا نفقًا ضخمًا يمر تحت منزلنا والحظيرة. الجدران بدأت تتشقق منذ عام 2025، وقيل لنا حينها إن السبب هو الجفاف. اليوم نعرف أن الأرض نفسها مثقوبة”.
ويضيف أن الضرر لم يقتصر على البناء، بل طال الأراضي الزراعية، إذ تغيّرت مسارات المياه الجوفية التي كانت تغذي الآبار الارتوازية، ما انعكس مباشرة على إنتاج القمح والشعير.
شهادات من داخل المشروع
بُنيت هذه الأنفاق، بحسب شهادات عمّال سابقين، بأيدٍ محلية، كثير منها أُجبر على العمل بدافع الحاجة الاقتصادية. أحمد، شاب في أوائل الثلاثينيات من عمره، عمل لعدة أشهر في الحفر، يروي أن العمل كان يجري ليلًا فقط، من الغروب حتى الفجر، مع إجراءات أمنية مشددة.
“كنا نُنقل بحافلات مغلقة، ولا نعرف الموقع بدقة. استُخدمت مواد كيميائية لتقوية التربة الطينية ومنع تسرب المياه، وكان الإسمنت يُصب بسرعة كبيرة”. ويضيف أنه يعاني اليوم من مشاكل تنفسية مزمنة بسبب العمل في أماكن سيئة التهوية، “كنا نعلم أننا نحفر فراغات خطرة، لكن لم يكن لدينا خيار آخر”.
كلفة اقتصادية هائلة
تطرح ضخامة هذه الشبكة تساؤلات كبيرة حول كلفتها المالية. فبحسب تقديرات هندسية، تتراوح كلفة إنشاء الكيلومتر الواحد من أنفاق خرسانية بهذه المواصفات بين 450 و600 ألف دولار أمريكي.
وبمقارنة بسيطة، فإن الأموال التي أُنفقت على أنفاق ريف الحسكة وحدها كانت كافية لإعادة تأهيل شبكة الكهرباء في المحافظة، أو لبناء عشرات المدارس والمراكز الصحية، في منطقة تعاني أصلًا من ضعف شديد في الخدمات الأساسية.
ويؤكد مختصون أن تمويل المشروع اعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط، ولا سيما من حقول العمر والجبسة، ما يعني أن الموارد الطبيعية التي كان يفترض أن تُستثمر في التنمية، دُفنت فعليًا تحت الأرض.
مخاطر هندسية وبيئية طويلة الأمد
يحذر مهندسون من أن تربة ريف الحسكة، المصنفة كتربة طينية رخوة، لا تتحمل وجود فراغات واسعة دون تدعيم دائم. ويؤدي ترك هذه الأنفاق دون معالجة إلى خطر هبوط التربة، وانهيار الأبنية، فضلًا عن التأثير السلبي على المياه الجوفية.
كما أن استخدام كميات ضخمة من الإسمنت والحديد في باطن الأرض خلق حواجز أمام الجذور العميقة للأشجار، وحوّل مساحات زراعية كاملة إلى أراضٍ ضعيفة الإنتاج أو غير صالحة للزراعة.
معضلة ما بعد السيطرة
تواجه الجهات المسؤولة اليوم تحديًا مزدوجًا: فترك الأنفاق دون معالجة يشكّل خطرًا أمنيًا وإنشائيًا، في حين أن تدميرها العشوائي قد يؤدي إلى كوارث بيئية وانهيارات أرضية.
وتتراوح المقترحات المطروحة بين ردم الأنفاق بخليط خاص يمنع الهبوط، أو إعادة توظيف بعضها كمستودعات زراعية أو منشآت تخزين، شريطة إخضاعها لدراسات هندسية دقيقة.
إرث ثقيل تحت الأرض
تمثل أنفاق الحسكة شاهدًا صامتًا على مرحلة من الصراع السوري، أُعطيت فيها الأولوية للبقاء العسكري على حساب الحياة المدنية. وبينما كان السكان ينتظرون تحسين الخدمات وفرص العمل، جرى استنزاف موارد ضخمة في مشاريع عسكرية باتت اليوم مصدر تهديد مباشر لهم.
وتبقى الأرض التي طالما شكّلت مصدر رزق وأمان لأهلها، محمّلة بفراغات خفية، تذكّر بأن آثار الحرب لا تنتهي عند توقف القتال، بل تستمر طويلًا تحت أقدام من عاشوها.