يحافظ الرئيس اللبناني جوزاف عون وحزب الله على مسافة محسوبة بين بعبدا وحارة حريك، إذ تتأثر العلاقة بحسابات متبادلة وأولويات استراتيجية، ما يجعل القطيعة غير واردة التباعد الظاهر أقرب إلى الاختلاف منه إلى النزاع المباشر، ويهدف إلى ضبط الإيقاع السياسي في ظل ظروف داخلية دقيقة وضغوط خارجية مستمرة.
مقاربة الرئاسة وحزب الله:
اعتمد عون منذ انتخابه سياسة هادئة تجاه موقع الرئاسة، مستفيدًا من موقف الحزب الذي تجنب تحويل العهد إلى ساحة مواجهة حول ملف السلاح والخيارات الإقليمية. بالمقابل، وفرت هذه السياسة للرئاسة هامش حركة أوسع، لكنها حددت نطاق عملها ضمن آليات دقيقة تتطلب التفاوض المستمر، إدراك الطرفين أن الاستقرار السياسي لا يحتمل صدامًا مباشرًا يشكل أساس إدارة العلاقة، حيث تبقى كل جهة على حدودها دون تجاوز الآخر.
المستفيدون من التباعد الظاهر:
يظهر الرئيس عون في موقع الرابح المرحلي، إذ تمنحه المسافة المحسوبة عن الحزب رصيدًا داخليًا وخارجيًا. داخليًا، تعزز هذه المسافة موقعه التمثيلي أمام البيئة السياسية، فيما تُعتبر الرئاسة خارجيًا مدخلًا للتفاعل مع المجتمع الدولي وإعادة تفعيل المؤسسات وضبط التوازنات. ويسهم رئيس مجلس النواب نبيه بري كقناة تواصل بديلة أكثر مرونة وأقل حساسية، تخفف من حدة التباين مع الحزب، وتحمي الرئاسة من مواجهة مباشرة.
حسابات حزب الله والتوازن الداخلي:
يسعى الحزب إلى إبقاء التوتر ضمن نطاق الخطاب السياسي دون انتقاله إلى الفعل المباشر، إذ يدرك أن أي فقدان للمقاربة الرئاسية الهادئة قد ينقل ملف السلاح من دائرة الإدارة السياسية إلى دائرة الاشتباك العلني، ما يترتب عليه كلفة عالية في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة. تراجع هوامش المناورة يزيد الاهتمام بحصر الخلافات ضمن إطار محدود، مع مراعاة تأثير الضغوط الدولية الرامية إلى ضبط دوره العسكري والإقليمي.
الضغط الدولي وسياسة الاحتواء:
ساهم الطرح الأميركي باعتماد سياسة احتواء السلاح في تقليص هامش الحركة وربطه بإطار سياسي وأمني واضح. هذا التوازن يضع الرئاسة أمام اختبار للتعامل مع الضغوط الدولية دون المساس بالاستقرار الداخلي، بينما يبقى موقف الحزب من الطرح حساسًا وغير معلن بشكل رسمي.
الانتخابات النيابية وتأثيرها:
تلقي الانتخابات النيابية بظلالها على العلاقة بين بعبدا وحارة حريك، إذ تزيد التعقيد في الحسابات السياسية التباعد الحالي ليس مؤشر انهيار، بل نتيجة لتقاطع مصالح متناقضة: الرئاسة تعمل على توسيع هامشها وتعزيز شرعيتها، والحزب يسعى لحماية مكاسبه الاستراتيجية ومنع تدويل ملف السلاح أي فشل في إدارة هذا التوازن سيضع لبنان أمام تحديات سياسية وأمنية واسعة.
يبقى التباعد بين بعبدا وحارة حريك محسوبًا لضمان ضبط قواعد الاشتباك القائمة، الرئيس عون يستفيد من هذا التوازن مؤقتًا، والحزب ملتزم بالحفاظ على الاستقرار الداخلي والخارجي أي تجاوز للحدود أو تصعيد غير محسوب سيؤدي إلى تداعيات كبيرة على المستوى الوطني.