التحركات الأميركية في ليبيا بين التوحيد وتكريس الانقسام

2026.01.30 - 09:25
Facebook Share
طباعة

تواصل الولايات المتحدة تعزيز حضورها في الملف الليبي عبر تحركات دبلوماسية وسياسية متسارعة، ترفع شعار توحيد المؤسسات المنقسمة منذ سنوات، في بلد يملك واحدًا من أكبر احتياطات النفط في إفريقيا، لكنه يعيش على وقع انقسام سياسي وأمني عميق. هذا الانخراط الأميركي، رغم غطائه المعلن بدعم الاستقرار، يثير تساؤلات متزايدة حول أهدافه الحقيقية وتداعياته على مسار الأزمة منذ عودة الاهتمام الأميركي المكثف بليبيا، برز مسار يقوم على التواصل مع جميع الأطراف المتنازعة شرقًا وغربًا، في خطوة يُنظر إليها ظاهريًا كتمهيد لتقريب وجهات النظر. غير أن هذا النهج، بحسب قراءات ليبية، أسهم عمليًا في تعزيز مواقع الأطراف المتصارعة بدل دفعها نحو تنازلات متبادلة، عمّق حالة الجمود السياسي، وأعاد إنتاج الانقسام بصيغة أكثر توازنًا ولكن أقل قابلية للحل.
التحركات الأميركية تتقاطع بشكل واضح مع ملف الطاقة، الذي يشكل أحد أبرز مفاتيح التأثير في ليبيا. فمع تزايد الحضور الأميركي في المؤتمرات والاتفاقات المتعلقة بالنفط والغاز، يتعزز الانطباع بأن توحيد المؤسسات ليس هدفًا قائمًا بذاته، بل مدخلًا لإعادة ترتيب قطاع الطاقة بما يخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية، خصوصًا في ظل التنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا ضمن هذا السياق، يُنظر إلى مساعي واشنطن على أنها محاولة لإعادة تموضع جيوسياسي، يهدف إلى تقليص أدوار قوى دولية منافسة، وربط المؤسسات السيادية الليبية، خاصة في قطاع النفط، بشبكات المصالح الأميركية. هذا التوجه، وإن اتخذ طابعًا تقنيًا وتنمويًا في ظاهره، إلا أنه يطرح مخاوف من تحوّل ملف التوحيد إلى أداة لإدارة الانقسام بدل إنهائه.
في المقابل، لا يزال المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة يواجه عراقيل بنيوية، أبرزها تضارب المصالح الداخلية، وغياب توافق دولي صريح حول أولوية الانتخابات كمدخل لإنهاء المرحلة الانتقالية. ومع استمرار التدخلات الخارجية، يبدو أن الرهان على توحيد المؤسسات دون معالجة جذور الانقسام السياسي، يظل رهانًا هشًا.
في المحصلة، يكشف الحراك الأميركي في ليبيا عن معادلة معقدة: دعم معلن للاستقرار، يقابله سعي فعلي لإعادة ضبط موازين النفوذ. وبين هذين المسارين، تبقى ليبيا عالقة في منطقة رمادية، حيث يُدار الانقسام بدل تفكيكه، فيما يظل توحيد المؤسسات هدفًا مؤجلًا أكثر منه مسارًا وشيكًا.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4