مينيسوتا على خط التماس: صراع دستوري يتصاعد بين الولاية وواشنطن

2026.01.29 - 07:14
Facebook Share
طباعة

 أعاد تقرير حقوقي حديث تسليط الضوء على مسؤولية لبنان القانونية والدولية في التعامل مع المشتبه بارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، في وقت لا يزال فيه ملف العدالة الانتقالية يراوح مكانه، وسط انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب بعد سقوط نظام الأسد.

واعتبر التقرير أن التحول السياسي الذي شهدته سوريا في كانون الأول 2024 شكّل نهاية مرحلة طويلة من القمع الممنهج، لكنه لم يلبِّ تطلعات الضحايا في تحقيق العدالة والمحاسبة. فعدد من رموز النظام السابق، بمن فيهم مسؤولون عسكريون وأمنيون، غادروا البلاد إلى دول مجاورة، ويبرز لبنان كإحدى الوجهات الرئيسية لهم، وفق ما وثقته مصادر متعددة.


ملاذ آمن أم مسؤولية قانونية؟
يشير التقرير إلى وجود شخصيات بارزة من النظام السوري السابق داخل الأراضي اللبنانية، من بينهم مئات الضباط المتهمين بانتهاكات جسيمة، تشمل القتل والتعذيب والإخفاء القسري. وتظهر وثائق مسربة وتقارير مستقلة أن بعض هؤلاء يتمتعون بإقامة فعلية داخل لبنان، في تناقض واضح مع تصريحات رسمية لبنانية نفت علمها بوجودهم.

ويرى التقرير أن هذا الواقع يضع لبنان أمام مسؤوليات قانونية مباشرة، إذ إن القانون الدولي لا يجيز للدول أن تتحول إلى ملاذ آمن لمشتبه بارتكابهم جرائم دولية خطيرة، مهما كانت الاعتبارات السياسية أو الأمنية.


التزامات دولية لا تقبل التأجيل
بحسب التقرير، يلتزم لبنان بموجب القانون الدولي العرفي وعدد من الاتفاقيات الدولية بمبدأ “إما التسليم أو المحاكمة”، وهو مبدأ جوهري يفرض على الدولة اتخاذ إجراءات قانونية فعالة بحق أي شخص يُشتبه بارتكابه جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية يوجد على أراضيها.

وتؤكد اتفاقيات جنيف لعام 1949 أن ملاحقة هؤلاء الأشخاص أو تسليمهم لدولة أخرى مختصة ليست خيارًا سياسيًا، بل التزامًا قانونيًا ملزمًا. كما يحظر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3074 لعام 1973 منح اللجوء أو الحماية لأي شخص متورط في جرائم حرب، ويشدد على واجب التعاون الدولي لضمان المحاسبة.


سوابق دولية وضغوط غير مستثمرة
استعرض التقرير حالات سابقة حاولت فيها دول أوروبية تفعيل هذا المبدأ، مشيرًا إلى طلب رسمي تقدمت به فرنسا في تشرين الثاني 2025 إلى السلطات اللبنانية، دعت فيه إلى توقيف وتسليم ثلاثة مسؤولين سوريين سابقين متهمين بارتكاب جرائم جسيمة.

إلا أن السلطات اللبنانية، وفق التقرير، لم تتخذ خطوات تنفيذية حاسمة، واكتفت بإجراءات تحقق محدودة، مع نفي رسمي لوجود المطلوبين داخل البلاد، رغم توفر مؤشرات متعددة على احتمال إقامتهم الفعلية.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذا النهج لا يشكل فقط خرقًا قانونيًا، بل يقوّض مصداقية لبنان الدولية، ويعرّضه لاحقًا لمساءلات قانونية أو ضغوط سياسية متزايدة.


تهديد يتجاوز الإطار القانوني
لا يقتصر الخطر، وفق التقرير، على الجانب القانوني، بل يمتد إلى البعد الأمني. إذ يشير إلى أن وجود شخصيات عسكرية وأمنية سورية سابقة في لبنان قد يسمح باستخدام الأراضي اللبنانية كمنصة للتخطيط أو التنسيق لأنشطة تهدد استقرار سوريا والمنطقة.

وتعزز هذا القلق تقارير إعلامية وتحقيقات استقصائية تحدثت عن تحركات منظمة لعناصر من النظام السابق في مناطق حدودية لبنانية، شملت نقاشات حول إعادة تنشيط خلايا موالية، وترتيب عمليات عسكرية ضد الحكومة السورية الحالية.


وثائق وتحقيقات مقلقة
خلال الأسابيع الماضية، كُشف عن وثائق وتسجيلات تشير إلى دور محوري لقيادات عسكرية سابقة في هذه التحركات، بالتوازي مع تحقيقات صحفية دولية أكدت أن سقوط النظام لم يُنهِ نفوذ دائرته الأمنية والعسكرية، بل دفع بعض رموزه إلى إعادة تنظيم أنفسهم من المنفى.

وتحذر هذه التقارير من أن التغاضي عن هذا الملف قد يسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي، ويعيد إنتاج أنماط الصراع عبر أدوات جديدة.


توصيات ومسارات مقترحة
في ضوء هذه المعطيات، قدم التقرير سلسلة توصيات موجهة لعدة أطراف. ودعا الحكومة السورية إلى توثيق مطالبها القانونية عبر القنوات الدبلوماسية، والتنسيق مع الدول التي تعتمد الولاية القضائية العالمية، إضافة إلى استخدام المنتديات الإقليمية والدولية للضغط من أجل تسليم المطلوبين.

كما شدد على أهمية تعزيز الإطار القانوني المحلي، والانفتاح على التعاون مع المجتمع المدني اللبناني لدعم جهود المساءلة.

أما على الصعيد اللبناني، فطالب التقرير الحكومة والسلطة القضائية باعتماد موقف رسمي واضح يرفض توفير أي ملاذ للمشتبه بارتكابهم جرائم دولية، وتفعيل آليات التحقيق والتعاون القضائي الدولي، وإنشاء قواعد بيانات مركزية لتلقي المعلومات.

وأكد على دور الرقابة البرلمانية، والتعاون مع الأمم المتحدة والإنتربول، وإشراك الإعلام والمجتمع المدني في بناء ضغط عام يمنع استمرار الإفلات من العقاب.


اختبار حاسم
يخلص التقرير إلى أن لبنان يقف اليوم أمام اختبار حقيقي لالتزامه بالقانون الدولي، ولقدرته على الفصل بين الحسابات السياسية ومتطلبات العدالة. فالتعامل مع هذا الملف لن يحدد فقط مسار العدالة للضحايا السوريين، بل سيؤثر أيضًا على استقرار لبنان وموقعه في المنظومة الدولية خلال المرحلة المقبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6