غياب رؤية استراتيجية يعكسه مشروع الموازنة الحالية، حيث تستمر السياسات نفسها التي أوصلت الاقتصاد اللبناني إلى الانكماش المالي والهدر المستمر. الموازنة تركز على الأرقام دون وضع خطة واضحة لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي أو معالجة الأزمة البنيوية في المالية العامة، ما يجعل أي إصلاح شكلي بلا جدوى.
الضغوط على القطاع الخاص تتفاقم بينما الاقتصاد غير الشرعي يستمر في العمل بلا رقابة، يثقل كاهل المجتمع ويضعف القدرة الشرائية للموظفين ورواتب القطاع العام، ويزيد من تفاقم أزمة الاستثمار والبطالة غياب معالجة فعالة للبيروقراطية يعيق تنفيذ المشاريع ويقتل النمو، بينما عدم وضوح موقف الدولة تجاه صندوق النقد الدولي يجعل لبنان في منطقة ضبابية، ما يزيد عدم الثقة المحلية والدولية بالاقتصاد.
الموازنة لا تشمل الإنفاق على المشاريع الحيوية أو إصلاح القطاعات الأساسية، يترك فجوة في إعادة الإعمار في المناطق المتضررة مثل طرابلس ويهمش الاستثمار في البنية التحتية، الكهرباء، النقل، والتعليم، ويعطل تمكين الشباب ورواد الأعمال عدم استثمار الأصول الاستراتيجية للدولة مثل المصارف والموانئ والمطارات والطيران يحرّم الاقتصاد من موارد ضخمة كان من الممكن أن تعزز النمو وتعيد الثقة للمودعين والمستثمرين.
أي إصلاح حقيقي يحتاج إلى شفافية كاملة ومحاسبة صارمة على الإنفاق العام، ومراجعة الالتزامات المالية، بما في ذلك خدمة الدين والعقود الدولية، وإدراج كامل الإنفاق ضمن الموازنة، بما في ذلك ما يمول من الجهات المانحة، وإلا ستظل الموازنة ناقصة ومضللة. الموازنة الحالية تمثل استمراراً للسياسات السابقة دون معالجة جوهرية، وتحميل القطاع الخاص أعباء الضرائب في حين لا يُحاسب الاقتصاد غير الشرعي على مساهمته.
الاستثمار في لبنان يحتاج إلى استقرار سياسي واضح وجرأة في اتخاذ القرارات، ومعالجة الإجراءات المعقدة التي تعيق تملك الأجانب وتحفز المشاريع، وإلا فإن أي نمو محتمل سيظل محدوداً ويعتمد على قرارات مؤقتة أو على مساعدات خارجية إعادة إعمار المباني المتضررة، وتحسين الخدمات العامة، ومعالجة أزمة النفايات، كلها أمور حيوية يجب أن تدمج في خطة وطنية شاملة لإعادة الثقة بالدولة والاقتصاد.
في غياب خطة واضحة للتنمية الاقتصادية، ستظل الموازنة الحالية انعكاساً لفشل مستمر، فهي تعيد إنتاج نفس المشكلات: ضعف الإيرادات، ارتفاع الضرائب، تآكل القدرة الشرائية، غياب الشفافية، وقصور في معالجة ملفات أساسية أي إصلاح دون خطة استراتيجية واضحة واستثمار كامل الأصول وإعادة بناء الثقة بالمصارف يبقى حبر على ورق، ويعكس استمرارية الأزمة بدل معالجة جذورها.