تحرك قطري مفاجئ يعيد خلط أوراق لبنان

2026.01.27 - 10:42
Facebook Share
طباعة

 في خضم تصاعد التوتر الإقليمي، وبلوغ الحديث عن مواجهة عسكرية محتملة مع إيران مستويات غير مسبوقة، تشهد الساحة اللبنانية حراكًا سياسيًا وأمنيًا مكثفًا، يتقاطع فيه المحلي بالإقليمي والدولي. فبين الاستنفار الأمني، وتبادل الرسائل السياسية عالية النبرة، برزت تحركات دبلوماسية هادئة لكنها ذات دلالات عميقة، أعادت طرح تساؤلات حول أدوار جديدة تُرسم في المنطقة، وفي مقدمتها الدور القطري.

التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، التي أكد فيها أن الحزب “ليس محايدًا” في حال تعرضت إيران لأي عدوان، شكّلت نقطة تحوّل في المشهد، إذ بددت الغموض حول موقف حلفاء طهران من أي مواجهة مقبلة. وجاء هذا الموقف متزامنًا مع إشارات مشابهة صدرت عن أطراف إقليمية أخرى، ما رفع منسوب القلق في لبنان، البلد الأكثر هشاشة أمام أي تصعيد واسع.

في هذا المناخ المشحون، واصل الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته، متجهًا إلى توسيع نطاق الاستهداف، بما في ذلك عمليات ذات طابع إعلامي ونفسي، كان آخرها في مدينة صور. في المقابل، كثفت الدولة اللبنانية تحركاتها الدبلوماسية، حيث وُجّهت رسائل رسمية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، تتضمن شكاوى من استمرار الخروقات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.

بالتوازي، أعلن رئيس الجمهورية أن اتصالات دولية جارية لتسريع انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وإعادة تثبيت الاستقرار، قبل موعد انعقاد لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. وشدد على أن الضغط الدولي يبقى ضرورة لضمان تنفيذ القرار الدولي 1701، وتسهيل عمل اللجنة المكلفة بالإشراف على الهدنة.

وسط هذه التطورات، شكّلت زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية إلى بيروت محطة بارزة، ليس فقط بسبب توقيتها الحساس، بل أيضًا بسبب ما حملته من إشارات سياسية واقتصادية وإنسانية، فتحت الباب أمام تساؤلات حول عودة قطر بقوة إلى الساحة اللبنانية، وربما منحها دورًا محوريًا في إدارة ملفات الاستقرار.

المسؤول القطري أعلن بوضوح أن بلاده تقف إلى جانب لبنان، معتبرًا أن تعافيه يشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة. غير أن هذه الاندفاعة القطرية بدت مفاجئة للبعض، خصوصًا في ظل مواقف سابقة كانت تشدد على أن أي دعم للبنان يبقى مشروطًا بتسوية إقليمية شاملة، وبمواقف دولية معقدة حيال ملف سلاح المقاومة.

المعطيات السياسية تشير إلى أن هذا التحول لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه تقارب سعودي – قطري بشأن الملف اللبناني، جرى في سياق تفاهم أوسع مع الولايات المتحدة، يقضي بإسناد دور مالي وسياسي لقطر، يهدف إلى منع انزلاق لبنان نحو الفوضى. ويُعتقد أن هذا التفاهم جاء أيضًا على خلفية تباينات إقليمية أخرى، دفعت الرياض والدوحة إلى تنسيق مواقفهما بشكل أوثق.

ويبدو أن الهدف الأساسي من هذا التفاهم هو دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وتشجيعها على المضي في تنفيذ خطتها الإصلاحية، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، مع الحرص على منع أي انهيار شامل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات غير محسوبة.

حزمة المساعدات القطرية التي جرى الإعلان عنها جاءت محددة وواضحة، وركزت على ملفات تمس الحياة اليومية للبنانيين، مثل الكهرباء، التعليم، الصحة، ودعم المؤسسة العسكرية. وتضمنت الحزمة تمويلًا مباشرًا لقطاع الكهرباء، إلى جانب مشروع اقتصادي واسع النطاق من شأنه تحسين الخدمة لملايين المشتركين، فضلًا عن دعم مخصص للجيش اللبناني.

في المقابل، غاب ملف إعادة إعمار القرى الجنوبية المتضررة عن جدول الأعمال، رغم أنه كان مطروحًا في مرحلة التحضير، ويُرجّح أن استبعاده جاء نتيجة حسابات دولية، في ظل عدم وجود ضوء أخضر سياسي لهذا المسار في الوقت الراهن.

الملف الأكثر حساسية الذي حملته الزيارة القطرية تمثل في خطة متوافق عليها إقليميًا ودوليًا، تقضي بتمويل عودة نحو 400 ألف نازح سوري إلى بلادهم خلال العام الحالي. وتشمل الخطة تقديم مساعدات لإعادة إعمار بلدات سورية محددة، إضافة إلى دعم مباشر للنازحين لتسهيل عودتهم، في خطوة يُنظر إليها كجزء من مسار أوسع لإعادة ترتيب الاستقرار في سوريا ولبنان معًا.

في ظل هذه المعادلات، يؤكد المسؤولون اللبنانيون أن البلاد ليست في موقع مواجهة مع الولايات المتحدة، وأن الاهتمام الدولي بلبنان يبقى رهينة التوترات العالمية الكبرى، التي تجعل الملف اللبناني خارج دائرة الأولويات القصوى، رغم خطورته.

وهكذا، وبين التصعيد الإقليمي، والتحركات الدبلوماسية الهادئة، يبرز الدور القطري كعنصر توازن محتمل، يسعى إلى إدارة الاستقرار عبر المال والسياسة، في مرحلة دقيقة قد ترسم ملامح جديدة للمنطقة بأكملها.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 7