تشهد العاصمة دمشق موجة تذمّر واسعة من قبل الأهالي، على خلفية الارتفاع الكبير في فواتير الكهرباء الصادرة ضمن الدورة السادسة لعام 2025، والتي جاءت بعد تطبيق التعرفة الجديدة. ومع صدور الفواتير، بدأت تتكشّف فجوة واضحة بين ما يدفعه المواطنون وما يحصلون عليه فعليًا من ساعات تغذية، في ظل دخول لا تكفي أساسًا لتغطية متطلبات الحياة اليومية.
ويعبّر كثير من السكان عن شكوكهم حيال طريقة احتساب الاستهلاك، ودقة العدادات، إضافة إلى غياب أي تفسير واضح لكيفية وصول الفواتير إلى أرقام تفوق أحيانًا الدخل الشهري الكامل للأسرة.
تعرفة جديدة… وخدمة لم تتغير
وكانت وزارة الطاقة قد أعلنت، في نهاية تشرين الأول 2025، اعتماد نظام تعرفة جديد للكهرباء قائم على أربع شرائح استهلاك، قالت إنه يراعي الأوضاع الاجتماعية المختلفة. واعتبرت الوزارة أن القرار يأتي ضمن مسار إصلاحي يهدف إلى تقليص خسائر قطاع الكهرباء، التي تُقدَّر بمليار دولار سنويًا، وتحسين واقع الخدمة المتدهور نتيجة سنوات من نقص التمويل وتضرر البنية التحتية.
غير أن هذا التبرير لم يبدّد مخاوف المواطنين، ولا سيما أن واقع التغذية الكهربائية لم يشهد تحسنًا ملموسًا، ما جعل الفواتير الجديدة صادمة لكثير من الأسر، وفق ما رصدته “عنب بلدي” في جولة على مراكز الجباية.
صدمة في مراكز التحصيل
في مركز الجباية الرئيسي بدمشق، اصطف عشرات المواطنين للاستفسار عن فواتيرهم، وسط حالة من الغضب والاستغراب. فبينما اضطر بعضهم إلى الدفع على مضض، رفض آخرون تسديد المبالغ المفروضة، معتبرين أنها غير منطقية ولا تعكس حجم الاستهلاك الفعلي.
وتفاوتت القيم المسجّلة بين مئات الآلاف وملايين الليرات، حتى في منازل تعتمد جزئيًا على الطاقة الشمسية أو تكون مغلقة لفترات طويلة. بعض الفواتير تجاوزت المليون ليرة، وأخرى وصلت إلى أرقام أعلى بكثير، دون وجود استخدام كثيف للأجهزة الكهربائية، بحسب إفادات أصحابها.
أبو منذر، وهو مهندس متقاعد، قال إن فاتورته بلغت مليون ليرة رغم اقتصار استخدامه على الأجهزة الأساسية، مشيرًا إلى أنه دفع المبلغ مكرهًا، لكنه قرر توثيق استهلاك العداد بانتظار الفاتورة المقبلة. أما أبو محمد، وهو سائق نقل عام، فأكد أن فاتورته قاربت المليون ليرة رغم امتلاكه منظومة طاقة شمسية، مشددًا على أن ساعات التغذية في منطقته لا تتجاوز بضع ساعات يوميًا.
وفي حالات أخرى، تحدث مواطنون عن فواتير بقيمة 600 و800 ألف ليرة، وصولًا إلى أكثر من عشرة ملايين ليرة لعدادات غير تجارية، ما دفع كثيرين إلى الامتناع عن الدفع كليًا، حتى لو أدى ذلك إلى سحب العدادات، معتبرين أن اللجوء إلى بدائل، رغم كلفتها، بات أقل عبئًا.
دخل محدود… وأعباء غير محتملة
تأتي هذه الأزمة في وقت لا تتجاوز فيه الرواتب الشهرية لمعظم العاملين في القطاعين العام والخاص مليونًا إلى مليون ونصف مليون ليرة، بينما يحصل المتقاعدون على أقل من ذلك. وهو ما يجعل تسديد فاتورة كهرباء واحدة يستنزف الدخل بالكامل، أو يتجاوزه أحيانًا.
إحدى السيدات أوضحت أن منزلها يضم ثلاثة أشخاص فقط، ولا يحتوي سوى على براد وغسالة، ومع ذلك بلغت فاتورتها نحو 600 ألف ليرة، معتبرة أن الرقم لا يتناسب إطلاقًا مع مستوى المعيشة، ولا مع ساعات التغذية المحدودة، ما يضعها أمام خيارات قاسية في حال استمر الوضع.
تحرّكات واعتراضات
في ظل تصاعد الاعتراضات، أكد مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد السلات، أن الوزارة تتابع ردود الفعل والشكاوى الواردة، لكنه أشار إلى عدم وجود تصريحات رسمية جديدة حتى الآن بشأن آلية المعالجة.
بالتوازي، دعا المحامي باسل سعيد مانع إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمتضررين من قرارات رفع أسعار الكهرباء والاتصالات، محددًا موعدها في 30 كانون الثاني، بعد صلاة الجمعة، للتعبير عن الرفض الشعبي للقرارات الأخيرة.
حماية المستهلك: المواطن يدفع ثمن خدمة شبه غائبة
من جهته، اعتبر أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أن ملف الكهرباء بات في صدارة هموم السوريين، لكنه أشار إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن مطالب زيادة ساعات التغذية تحوّلت إلى تفضيل التقنين، بسبب العجز عن تحمّل الفواتير.
وأوضح أن الخدمة المقدّمة لم تشهد أي تحسّن حقيقي، وأن المقارنة بين الأسعار المفروضة ومستوى التغذية تكشف خللًا واضحًا، إذ يُطلب من المواطن دفع مبالغ مرتفعة مقابل خدمة غير مستقرة. وانتقد في هذا السياق دعوات بعض المسؤولين إلى “ترشيد الاستهلاك” أو “الانتقال إلى بدائل”، متسائلًا عن البدائل المتاحة فعلًا في ظل ارتفاع كلفة المولدات والمحروقات.
وأكد حبزة أن الطاقة الشمسية لم تعد خيارًا متاحًا لغالبية المواطنين، بل باتت حكرًا على فئات محدودة قادرة على تحمّل تكلفتها، فيما يعاني معظم السوريين من ضغوط معيشية متراكمة تشمل الغذاء والنقل والاتصالات، لتأتي أزمة الكهرباء كعبء إضافي ثقيل.
صدمة بلا تمهيد
ورأت الجمعية أن توقيت القرار كان قاسيًا، خصوصًا مع دخول فصل الشتاء وازدياد الحاجة إلى الكهرباء، من دون منح المواطنين أي فترة انتقالية للتكيّف. ولفت حبزة إلى أن تقديرات الجمعية تشير إلى أن نسبة القادرين على تسديد الفواتير لا تتجاوز 10%، مقابل عجز الغالبية الساحقة عن ذلك.
وختم بالتشديد على أن الكهرباء خدمة أساسية وليست رفاهية، داعيًا الجهات المعنية إلى إعادة النظر بجدية في السياسات المتبعة، ووضع حلول عادلة تراعي واقع الدخل ومستوى الخدمة، قبل أن تتحول الأزمة إلى انفجار اجتماعي أوسع.