مع بداية عام 2026، دخل ملف السجون في شمال شرقي سوريا مرحلة حساسة، حيث شكلت السيطرة المتزايدة للحكومة السورية على مناطق كانت حصينة لسنوات تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نقطة تحول كبرى. هذه التحولات الأمنية لم تقتصر على الأرض، بل حملت تبعات قانونية وإنسانية معقدة، خاصة فيما يتعلق بمصير المعتقلين وعلاقات السلطة بين دمشق و”الإدارة الذاتية”.
زلزال السيطرة في الرقة ودير الزور
في الرقة، تولت “قوى الأمن الداخلي” التابعة للحكومة السورية إدارة سجن “الأقطان” شمال المدينة، بالتزامن مع السيطرة على مراكز احتجاز فرعية في الطبقة. هذه الخطوة لم تكن مجرد نقل إداري، بل حملت رمزية واضحة لعودة السيادة المركزية على منشآت كانت خارج الحسابات لسنوات.
وأعلنت الحكومة السورية في 24 كانون الثاني الإفراج عن 126 قاصرًا كانوا محتجزين في سجن الأقطان، جميعهم دون 18 عامًا، وذلك بعد يوم واحد من استلام إدارة المنشأة من قسد. وأشارت المصادر الرسمية إلى أن هذه الإجراءات جاءت في إطار ما وصفته بـ “الإجراءات القانونية والإنسانية الأولية”.
وأظهرت مقابلات مع ناشطين وذوي المعتقلين أن أغلبية القاصرين كانوا معتقلين لأسباب سياسية بحتة، وليس لأية صلة بتنظيم “الدولة الإسلامية”.
أما في دير الزور، فقد بسطت الحكومة سيطرتها على بلدات البصيرة والكسرة والشحيل، التي كانت تضم سجونًا مؤقتة ومراكز تحقيق ميدانية تتبع لـ “مجلس دير الزور العسكري”. ومع انهيار خطوط التماس، وجدت دمشق نفسها أمام مئات المعتقلين المحليين، ما فرض تحديًا صعبًا في التمييز بين المتورطين في جرائم إرهابية والمعتقلين لأسباب محلية أو خلافات كيدية.
سجن الشدادي.. فراغ أمني وفرار غامض
برز سجن الشدادي بريف الحسكة الجنوبي كأحد أبرز المنشآت التي خضعت للسيطرة الحكومية في 18 كانون الثاني. لكن عملية التسليم لم تكن سلسة، إذ رصدت تقارير فرار نحو 120 سجينًا من عناصر التنظيم خلال ساعات الفراغ الأمني قبل وصول القوات الحكومية، ليتم لاحقًا القبض على 81 منهم.
هذا الحادث أثار جدلاً واسعًا، إذ اتهمت دمشق قسد بتسهيل الفرار عمداً لإرباك السيطرة الجديدة، بينما نفت الأخيرة ذلك وأكدت أن الانسحاب كان منسقًا وأن مسؤولية الحماية انتقلت فور خروج عناصرها.
مخيمات الهول وروج.. قنبلتان موقوتتان
في 20 كانون الثاني، بدأت قوى الأمن الداخلي السوري إدارة مهام الحماية في مخيم “الهول” شرق الحسكة بعد انسحاب قسد، فيما بقي مخيم “روج” في ريف المالكية تحت إدارة قسد المطلقة، ويضم عائلات “المهاجرين” الأجانب. هذه المواقع تمثل خطوط دفاع استراتيجية وتفاوضية للحركة الكردية، حيث لا تزال تحتفظ بقدرتها على التأثير السياسي والأمني في المنطقة.
القامشلي والحسكة.. تداخل السيطرة
رغم توسع سيطرة الحكومة، تبقى مدينتا القامشلي والحسكة مناطق حساسة، حيث تستمر قسد في إدارة بعض أخطر السجون:
سجن غويران (الصناعة): خط أحمر لا يمكن تجاوزه لرمزيته وحساسية العناصر المحتجزة.
سجن جركين (هيمو): قرب مطار القامشلي ويكتسب أهمية استراتيجية.
سجن علايا: تحول من سجن مدني إلى مركز احتجاز مختلط.
التحدي القانوني والنقل نحو العراق
تواجه الحكومة السورية معضلة أخلاقية وقانونية، فهي تطمح لفرض سيادتها، لكنها ورثت آلاف المعتقلين الذين تختلط ملفاتهم بين الانتماء للتنظيم أو التهم الكيدية.
في ظل هذا الضغط، تصاعدت عمليات نقل سجناء التنظيم من الجنسيات غير السورية نحو العراق عبر طائرات أمريكية، في إطار استراتيجية دولية لإبعادهم عن تقلبات المشهد السوري، وتقليل مخاطر أي فرار جماعي قد يعيد ظهور التنظيم في المنطقة.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت تمديد مهلة وقف إطلاق النار مع قسد لمدة 15 يومًا، لتسهيل العملية الأمريكية لنقل سجناء تنظيم “الدولة” إلى العراق.
أزمة سيادة وقانون
خارطة السجون في شرق سوريا لم تعد كما كانت قبل 2026. انتقال السيطرة من قسد إلى دمشق لا ينهي الأزمة، بل يفتح فصلًا جديدًا من “أزمة سيادة وقانون”. بينما تحتفظ قسد بالسجون الأكثر خطورة كأوراق تفاوضية، تواجه دمشق تحديات التدقيق الأمني لآلاف المعتقلين في الرقة ودير الزور، وسط مخاطر أمنية وسياسية مستمرة.